تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( وجاهِدْهُمْ بِه ) * وحكاه في البحر عن ابن عباس . والمشهور عنه ما تقدم ، ولعل المراد ما ذكر فيه من الأدلة على كمال قدرته - تعالى - « 1 » . ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو القول الأول ، لأن سياق الحديث عن المطر النازل من السماء بقدرة اللَّه - تعالى - ولأن هذا القول هو المأثور عن جمع من الصحابة والتابعين ، كابن عباس ، وابن مسعود وعكرمة ، ومجاهد وقتادة . . وغيرهم . وقوله - تعالى - : * ( فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ) * بيان لموقف أكثر الناس من نعم اللَّه - تعالى - . أي : أنزلنا المطر ، وصرفناه بين الناس ليعتبروا ويتعظوا ، فأبى أكثرهم إلا الجحود لنعمنا ، ومقابلتها بالكفران ، وإسنادها إلى غيرنا ممن لا يخلقون شيئا وإنما هم عباد لنا ، وخلقنا . وفي صحيح مسلم أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال يوما لأصحابه بعد نزول المطر من السماء : « أتدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : اللَّه ورسوله أعلم . فقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « قال ربكم ، أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا بفضل اللَّه ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب ، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا ، فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب » « 2 » . - والنوء - بتشديد النون وفتحها وسكون الواو : سقوط نجم في المغرب مع الفجر ، وطلوع آخر يقابله من ساعته بالمشرق . وقال - سبحانه - : * ( فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ . . . ) * لمدح القلة المؤمنة منهم ، وهم الذين قابلوا نعم اللَّه - تعالى - بالشكر والطاعة . ثم ذكر - سبحانه - ما يدل على رفعة منزلة نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : * ( ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً . ) * أي : ولو شئنا لبعثنا في زمنك - أيها الرسول الكريم - في كل قرية من القرى نذيرا ينذر أهلها بسوء عاقبة الكفر والجحود ، ويكون عونا لك على تحمل أعباء الرسالة التي أرسلناك بها . . . ولكنّا لم نشأ ذلك تكريما لك وتعظيما لقدرك ، حيث خصصناك بعموم الرسالة لجميع الناس . وما دام الأمر كذلك « فلا تطع الكافرين » فيما يريدونه منك من أمور باطلة فاسدة « وجاهدهم به » أي : بهذا القرآن ، عن طريق قراءته والعمل بما فيه ، وبيان ما اشتمل عليه من دلائل وبراهين على صحة دعوتك .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 19 ص 32 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 125 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 208 | سيد محمد طنطاوي