قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان الشارب ؟ .
قلت : لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام . .
فإن قلت : فما معنى تنكير الأنعام والأناسى ووصفها بالكثرة ؟
قلت : معنى ذلك أن علية الناس وجلهم منيخون بالقرب من الأودية والأنهار ومنابع الماء ، فيهم غنية عن سقى السماء ، وأعقابهم - وهم كثير منهم - لا يعيشهم إلا ما ينزل اللَّه من رحمته وسقيا سمائه .
فإن قلت : لم قدم إحياء الأرض وسقى الأنعام على سقى الأناسى ؟
قلت : لأن حياة الأناسى بحياة أرضهم وحياة أنعامهم ، فقدم ما هو سبب حياتهم وتعيشهم على سقيهم ، ولأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا لأرضهم ومواشيهم لم يعدموا سقياهم « 1 » .
والضمير المنصوب في قوله - تعالى - : * ( ولَقَدْ صَرَّفْناه بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا . . . ) * يعود إلى الماء الطهور الذي سبق الحديث عنه .
والتصريف : التكرير والتنويع والانتقال من حال إلى حال .
أي : ولقد صرفنا هذا المطر النازل من السماء فأنزلناه بين الناس في البلدان المختلفة ، وفي الأوقات المتفاوتة ، وعلى الصفات المتغايرة ، فنزيده في بعض البلاد وننقصه أخرى ، ونمنعه عن بعض الأماكن . . كل ذلك على حسب حكمتنا ومشيئتنا .
وقد فعلنا ما فعلنا لكي يعتبر الناس ويتعظوا ويخلصوا العبادة لنا .
قال الآلوسي : قوله : * ( ولَقَدْ صَرَّفْناه ) * الضمير للماء المنزل من السماء ، وتصريفه :
تحويل أحواله ، وأوقاته وإنزاله على أنحاء مختلفة .
وقال بعضهم : هو راجع إلى القول المفهوم من السياق ، وهو ما ذكر فيه إنشاء السحاب وإنزال المطر ، وتصريفه : تكريره ، وذكره على وجوه ولغات مختلفة .
والمعنى : ولقد كررنا هذا القول وذكرناه على أنحاء مختلفة في القرآن وغيره من الكتب السماوية بين الناس ليتفكروا . .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني أنه عائد على القرآن . ألا ترى
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 285 .