تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
وقوله - تعالى - : * ( جِهاداً كَبِيراً ) * مؤكد لما قبله . أي : جاهدهم بالقرآن جهادا كبيرا مصحوبا بالإغلاظ عليهم تارة ، وبإبطال شبهاتهم وأراجيفهم تارة أخرى . قال - تعالى - : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ والْمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ، ومَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمَصِيرُ . وقوله - سبحانه - : * ( وهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ، وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وحِجْراً مَحْجُوراً ) * بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - عز وجل - . و « مرج » من المرج بمعنى الإرسال والتخلية ، ومنه قولهم . مرج فلان دابته إذا أرسلها إلى المرج وهو المكان الذي ترعى فيه الدواب ، ويصح أن يكون من المرج بمعنى الخلط ، ومنه قوله - تعالى - : فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أي : مختلط . ومنه قيل للمرعى : مرج ، لاختلاط الدواب فيه بعضها ببعض . والعذب الفرات : هو الماء السائغ للشرب ، الذي يشعر الإنسان عند شربه باللذة ، وهو ماء الأنهار وسمى فراتا لأنه يفرت العطش ، أي يقطعه ويكسره ويزيله . والملح الأجاج : هو الشديد الملوحة والمرارة وهو ماء البحار . سمى أجاجا من الأجيج وهو تلهب النار ، لأن شربه يزيد العطش . والبرزخ . الحاجز الذي يحجز بين الشيئين . أي : وهو - سبحانه - الذي أرسل البحرين . العذب والمالح في مجاريهما متجاورين ، كما ترسل الدواب في المراعى . أو جعلهما - بقدرته - في مجرى واحد ومع ذلك لا يختلط أحدهما بالآخر : بل جعل - سبحانه - بينهما « برزخا » أي : حاجزا عظيما ، وحجرا محجورا . أي : وجعل كل واحد منهما حراما محرما على الآخر أن يفسده . والمراد : لزوم كل واحد منهما صفته التي أوجده اللَّه عليها ، فلا ينقلب العذب في مكانه ملحا ، ولا الملح في مكانه عذبا . قال - تعالى - : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ « 1 » . وقال - سبحانه - : أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَراراً ، وجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً ، وجَعَلَ لَها رَواسِيَ ، وجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً ، أَإِله مَعَ اللَّه ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الرحمن الآيتان 19 ، 20 . ( 2 ) سورة النمل الآية 61 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 209 | سيد محمد طنطاوي