تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
وإنما أنزلناه بتقدير مناسب لجلب المنافع ، ودفع المضار ، كما قال - سبحانه - في آية أخرى : . . . وما نُنَزِّلُه إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ « 1 » . وقوله : * ( فَأَسْكَنَّاه فِي الأَرْضِ ) * أي : هذا الماء النازل من السماء بتقدير معين منا تقتضيه حكمتنا ، جعلناه ساكنا مستقرا في الأرض ، لتنعموا به عن طريق استخراجه من الآبار والعيون وغيرها . وفي هذه الجملة الكريمة إشارة إلى أن المياه الجوفية الموجودة في باطن الأرض ، مستمدة من المياه النازلة من السحاب عن طريق المطر . وهذا ما قررته النظريات العلمية الحديثة بعد مئات السنين من نزول القرآن الكريم . وبعد أن بقي العلماء دهورا طويلة ، يظنون أن المياه التي في جوف الأرض ، لا علاقة لها بالمياه النازلة على الأرض عن طريق المطر . وقوله - سبحانه - : * ( وإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِه لَقادِرُونَ ) * بيان لمظهر من مظاهر قدرته ورأفته ورحمته - تعالى - بعباده . أي : وإنا على إذهاب هذا الماء الذي أسكناه في باطن الأرض لقادرون ، بأن نجعله يتسرب إلى أسفل طبقات الأرض فلا تستطيعون الوصول إليه ، أو بأن نزيله من الأرض إزالة تامة ، لأن القادر على إنزاله قادر على إزالته وإذهابه ، ولكنا لم نفعل ذلك رحمة بكم ، وشفقة عليكم ، فاشكرونا على نعمنا وضعوها في مواضعها الصحيحة . قال صاحب الكشاف : « قوله : * ( عَلى ذَهابٍ بِه ) * من أوقع النكرات وأحزها للمفصل . والمعنى : على وجه من وجوه الذهاب به ، وطريق من طرقه ، وفيه إيذان باقتدار المذهب ، وأنه لا يتعايى عليه شيء إذا أراده ، وهو أبلغ في الإبعاد ، من قوله : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ « 2 » . فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء . ويقيدوها بالشكر الدائم ، ويخافوا نفارها إذا لم تشكر « 3 » . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَه يَنابِيعَ فِي الأَرْضِ . ثُمَّ يُخْرِجُ بِه زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُه . . . « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة الحجر الآية 21 . ( 2 ) سورة الملك الآية 30 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 180 . ( 4 ) سورة الزمر الآية 21 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 20 | سيد محمد طنطاوي