تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
السلام - لأنه استل من الطين . ويجيء الضمير في قوله * ( ثُمَّ جَعَلْناه ) * عائدا على ابن آدم ، وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر ، فإن المعنى لا يصلح إلا له . . . » « 1 » . وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه وبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسانِ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَه مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ . . « 2 » . وقوله - سبحانه - : أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ . فَجَعَلْناه فِي قَرارٍ مَكِينٍ . إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ . فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ . « 3 » ثم بين - سبحانه - أطوارا أخرى لخلق الإنسان تدل على كمال قدرته - تعالى - فقال : * ( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ) * أي : ثم صيرنا النطفة البيضاء ، علقة حمراء إذ العلقة عبارة عن الدم الجامد . * ( فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ) * أي : جعلنا بقدرتنا هذه العلقة قطعة من اللحم ، تشبه في صغرها قطعة اللحم التي يمضغها الإنسان في فمه . * ( فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً ) * أي : حولنا هذه المضغة من اللحم التي لم تظهر معالمها بعد ، إلى عظم صغير دقيق ، على حسب ما اقتضته حكمتنا في خلقنا . * ( فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ) * أي : فكسونا هذه المضغة التي تحولت بقدرتنا إلى عظام دقيقة باللحم ، بحيث صار هذا اللحم ساترا للعظام ومحيطا بها . قال بعض العلماء : « وهنا يقف الإنسان مدهوشا ، أمام ما كشف عنه القرآن من حقيقة في تكوين الجنين ، لم تعرف على وجه الدقة إلا أخيرا ، بعد تقدم علم الأجنة التشريحى » . ذلك أن خلايا العظام غير خلايا اللحم وقد ثبت أن خلايا العظام هي التي تكون أولا من الجنين ، ولا تشاهد خلية واحدة من خلايا اللحم إلا بعد ظهور خلايا الهيكل العظمى للجنين . وهي التي يسجلها النص القرآني في قوله - تعالى - : * ( فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً ، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ) * فسبحانه العليم الخبير « 4 » . وقوله - تعالى - : * ( ثُمَّ أَنْشَأْناه خَلْقاً آخَرَ ) * بيان لما انتهت إليه أطوار خلق الإنسان .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 12 ص 109 . ( 2 ) سورة السجدة الآيات من 6 - 8 . ( 3 ) سورة المرسلات الآيات من 20 - 24 . ( 4 ) تفسير « في ظلال القرآن » ج 18 ص 17 .