تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
ثم ذكر - سبحانه - بعض من جاء بعد قوم نوح فقال : * ( وعاداً وثَمُودَ ) * أي : ودمرنا وأهلكنا قوم عاد بسبب تكذيبهم لنبيهم هود - عليه السلام - ، كما أهلكنا قوم ثمود بسبب تكذيبهم لنبيهم صالح - عليه السلام - . وقوله - تعالى - : * ( وأَصْحابَ الرَّسِّ ) * معطوف على ما قبله . أي : وأهلكنا أصحاب الرس . كما أهلكنا من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود . والرس في لغة العرب : البئر التي لم تبن بالحجارة ، وقيل : البئر مطلقا ، ومنه قول الشاعر :
وهم سائرون إلى أرضهم فيا ليتهم يحفرون الرساسا
أي : فيا ليتهم يحفرون الآبار . وللمفسرين في حقيقة أصحاب الرس أقوال : فمنهم من قال إنهم من بقايا قبيلة ثمود ، بعث اللَّه إليهم نبيا فكذبوه ورسّوه في تلك البئر أي : ألقوا به فيها ، فأهلكهم اللَّه - تعالى - . وقيل : هم قومه كانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل اللَّه إليهم شعيبا - عليه السلام - فكذبوه فبينما هم حول الرس - أي البئر - فانهارت بهم ، وخسف اللَّه - تعالى - بهم الأرض . وقيل : الرس بئر بأنطاكية ، قتل أهلها حبيبا النجار وألقوه فيها . . واختار ابن جرير - رحمه اللَّه - أن أصحاب الرس هم أصحاب الأخدود ، الذين ذكروا في سورة البروج . وقد ذكر بعض المفسرين في شأنهم روايات ، رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها ونكارتها . واسم الإشارة في قوله - تعالى - : * ( وقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً ) * يعود إلى عاد وثمود وأصحاب الرس ، والقرون : جمع قرن . والمراد به هنا : الجيل من الناس الذين اقترنوا في الوجود في زمان واحد من الأزمنة . أي : وأهلكنا قرونا كثيرة بين قوم عاد وثمود وأصحاب الرس . لأن تلك القرون سارت على شاكلة أمثالهم من الكافرين والفاسقين . وقوله - تعالى - : * ( وكُلًّا ضَرَبْنا لَه الأَمْثالَ . . . ) * بيان لمظهر من مظاهر رحمة اللَّه - تعالى - : حيث إنه - سبحانه - لا يهلك الأمم إلا بعد أن يسوق لها ما يرشدها ، فتأبى إلا السير في طريق الغي والعصيان . و « كلا » منصوب بفعل مضمر يدل عليه ما بعده . فإن ضرب المثل في معنى التذكير والتحذير ، والتنوين عوض عن المضاف إليه .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 197 | سيد محمد طنطاوي