تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
قال الإمام ابن كثير - رحمه اللَّه - : يخبر - تعالى - عن استهزاء المشركين بالرسول صلى اللَّه عليه وسلَّم إذا رأوه ، كما قال - تعالى - : وإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً ، أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ . . . يعنونه بالعيب والنقص . . « 1 » . ومن عجب أن هؤلاء المشركين الذين كانوا يستهزئون بالرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بعد بعثته إليهم ، هم أنفسهم الذين كانوا يلقبونه قبل بعثته بالصادق الأمين ، وما حملهم على هذا الكذب والجحود إلا الحسد والعناد . وقوله - تعالى - : * ( أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّه رَسُولًا ) * مقول لقول محذوف وعائد الموصول محذوف - أيضا - . أي : كلما وقعت أبصار أعدائك عليك - أيها الرسول الكريم - سخروا منك ، واستنكروا نبوتك ، وقالوا على سبيل الاستبعاد والتهكم : أهذا هو الإنسان الذي بعثه اللَّه - تعالى - ليكون رسولا إلينا . وقولهم هذا الذي حكاه القرآن عنهم ، يدل على أنهم بلغوا أقصى درجات الجهالة وسوء الأدب . ثم يشير القرآن إلى كذبهم فيما قالوه ، لأنهم مع إظهارهم للسخرية منه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كانوا في واقع أمرهم ، وحقيقة حالهم يعترفون له بقوة الحجة ، وهذا ما حكاه القرآن عنهم في قوله : * ( إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها . ) * أي : أنهم كانوا يقولون فيما بينهم : إن هذا الرسول كاد أن يصرفنا بقوة حجته عن عبادة آلهتنا . لولا أننا قاومنا هذا الشعور وثبتنا على عبادة أصنامنا . قال الآلوسي : قوله : * ( إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا ) * أي : يصرفنا عن عبادتها صرفا كليا بحيث يبعدنا عنها لا عن عبادتها فقط . لولا أن صبرنا عليها واستمسكنا بعبادتها . . . وهذا اعتراف منهم بأنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد بلغ من الاجتهاد في الدعوة إلى التوحيد . . ما شارفوا معه أن يتركوا دينهم لولا فرط جهالاتهم ولجاجهم وغاية عنادهم « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) * تهديد لهم على سوء أدبهم ، وعلى جحودهم للحق بعد أن تبين لهم . أي : وسوف يعلم هؤلاء الكافرون حين يرون العذاب ماثلا أمام أعينهم ، من أبعد طريقا عن الحق ، أهم أم المؤمنون .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 121 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 19 ص 22 .