تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
وقوله - تعالى - : * ( وجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ) * بيان لسنة من سنن اللَّه - تعالى - في خلقه ، اقتضتها حكمته ومشيئته . أي : اختبرنا بعضكم ببعض ، وبلونا بعضكم ببعض ، ليظهر قوى الإيمان من ضعيفه ، إذ أن قوى الإيمان لتصديقه بقضاء اللَّه وقدره يثبت على الحق ويلتزم بما أمره اللَّه - تعالى - به ، أما ضعيف الإيمان فإنه يحسد غيره على ما آتاه اللَّه - تعالى - من فضله . كما حسد المشركون رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على منصب النبوة الذي أعطاه اللَّه - تعالى - إياه وقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ « 1 » . قال القرطبي : قوله - تعالى - : * ( وجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ) * أي : إن الدنيا دار بلاء وامتحان ، فأراد - سبحانه - أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم في جميع الناس ، فالصحيح : فتنة للمريض . والغنى : فتنة للفقير . . ومعنى هذا ، أن كل واحد مختبر بصاحبه ، فالغنى ممتحن بالفقير ، فعليه أن يواسيه ولا يسخر منه ، والفقير ممتحن بالغنى ، فعليه أن لا يحسده . ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه ، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق . . والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره . . . فالفتنة : أن يحسد المبتلى المعافى . والصبر : أن يحبس كلاهما نفسه ، هذا عن البطر وذاك عن الضجر . . « 2 » . والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( أَتَصْبِرُونَ ) * للتقرير . أي : أتصبرون على هذا الابتلاء والاختبار فتنالوا من اللَّه - تعالى - الأجر ، أم لا تصبرون فيزداد همكم وغمكم ؟ ويصح أن يكون الاستفهام بمعنى الأمر . أي : اصبروا على هذا الابتلاء كما في قوله - تعالى - : . . . وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ والأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ . . « 3 » أي : أسلموا . . وكما في قوله - سبحانه - : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ أي : انتهوا عن الخمر والميسر . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله * ( وكانَ رَبُّكَ بَصِيراً ) * أي : وكان ربك أيها الرسول الكريم - بصيرا بأحوال النفوس الطاهرة والخفية ، وبتقلبات القلوب وخلجاتها . فاصبر على أذى قومك ، فإن العاقبة لك ولأتباعك المؤمنين . فهذا التذييل فيه ما فيه من التسلية والتثبيت لفؤاد النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . ثم حكت السورة للمرة الرابعة تطاول المشركين وجهالاتهم ، وردت عليهم بما يخزيهم ، وبينت ما أعد لهم من عذاب في يوم لا ينفعهم فيه الندم .
هامش
( 1 ) سورة الزخرف الآية 31 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 13 ص 18 . ( 3 ) سورة آل عمران الآية 20 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 184 | سيد محمد طنطاوي