من أول الأمر بأن رؤيتهم لهم ليست على الطريقة التي طلبوها ، بل على وجه آخر فيه ما فيه من العذاب المهين لهؤلاء الكافرين .
وجاء نفى البشرى لهم بلا النافية للجنس للمبالغة في نفى أي بارقة تجعلهم يأملون في أن ما نزل بهم من سوء ، قد يتزحزح عنهم في الحال أو الاستقبال .
قال الجمل في حاشيته : وقوله * ( لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ) * هذه الجملة معمولة لقول مضمر . أي : يرون الملائكة يقولون لا بشرى . فالقول حال من الملائكة وهو نظير التقدير في قوله - تعالى - : . . . والْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ . . « 1 » وكل من الظرف والجار والمجرور خبر عن لا النافية للجنس « 2 » .
وقوله - تعالى - : * ( ويَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ) * تأكيد لما قبله من أنه لا خير لهؤلاء الكافرين من وراء رؤيتهم للملائكة .
والحجر - بكسر الحاء وفتحها - الحرام ، وأصله المنع . ومحجورا صفة مؤكدة للمعنى ، كما في قولهم : موت مائت . وليل أليل ، وحرام محرم .
قال الآلوسي : وهي - أي : حجرا محجورا - كلمة تقولها العرب عند لقاء عدو موتور ، وهجوم نازلة هائلة ، يضعونها موضع الاستعاذة ، حيث يطلبون من اللَّه - تعالى - أن يمنع المكروه فلا يلحقهم ، فكأن المعنى ، نسأل اللَّه - تعالى - أن يمنع ذلك منعا ، ويحجره حجرا .
وقال الخليل : كان الرجل يرى الرجل الذي يخاف منه القتل في الجاهلية في الأشهر الحرم فيقول : حجرا محجورا . أي : حرام عليك التعرض لي في هذا الشهر فلا يبدأ بشر « 3 » .
والقائلون لهذا القول يرى بعضهم أنهم الملائكة ، فيكون المعنى : تقول الملائكة للكفار حجرا محجورا . أي : حراما محرما أن تكون لكم اليوم بشرى . أو أن يغفر اللَّه لكم ، أو أن يدخلكم جنته .
وقد رجح ابن جرير ذلك فقال ما ملخصه : وإنما اخترنا أن القائلين هم الملائكة من أجل أن الحجر هو الحرام . فمعلوم أن الملائكة هي التي تخبر أهل الكفر ، أن البشرى عليهم حرام . . « 4 » .
ويبدو لنا أنه لا مانع من أن يكون هذا القول من الكفار ، فيكون المعنى : أن هؤلاء الكفار
هامش
( 1 ) سورة الرعد من الآيتين 23 ، 24 .
( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 252 .
( 3 ) تفسير الآلوسي ج 19 ص 6 .
( 4 ) تفسير ابن جرير ج 19 ص 3 .