تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
أي : يقولون عندما يلقون فيها ، يا هلاكنا أقبل فهذا أوانك ، فإنك أرحم بنا مما نحن فيه . ووصف - سبحانه - المكان الذي يلقون فيه بالضيق ، للإشارة إلى زيادة كربهم ، فإن ضيق المكان يعجزهم عن التفلت والتململ . وهنا يسمعون من يقول لهم على سبيل الزجر والسخرية المريرة ، * ( لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً . ) * أي : اتركوا اليوم طلب الهلاك الواحد . واطلبوا هلاكا كثيرا لا غاية لكثرته ، ولا منتهى لنهايته . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( وادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ) * أي : أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا ، وإنما هو ثبور كثير ، إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته ، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها ، فلا غاية لهلاكهم « 1 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يبين لهم ما أعده - سبحانه - لعباده المتقين ، فقال : * ( قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً ومَصِيراً ، لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ . كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا . ) * واسم الإشارة . ذلك يعود إلى ما ذكر من العذاب المهين لهم والاستفهام للتقريع والتهكم . والعائد إلى الموصول محذوف ، أي : وعدها اللَّه - تعالى - للمتقين ، وإضافته الجنة إلى الخلد للمدح وزيادة السرور للذين وعدهم اللَّه - تعالى - بها . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين ، أذلك العذاب المهين الذي أعد لكم خير ، أم جنة الخلد التي وعدها اللَّه - تعالى - للمتقين ، والتي * ( كانَتْ لَهُمْ ) * بفضل اللَّه وكرمه * ( جَزاءً ) * على أعمالهم الصالحة * ( ومَصِيراً ) * طيبا يصيرون إليه . * ( لَهُمْ فِيها ) * في تلك الجنة * ( ما يَشاؤُنَ ) * أي : ما يشاؤنه من خيرات وملذات حالة كونهم * ( خالِدِينَ ) * فيها خلودا أبديا . * ( كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا ) * أي : كان ذلك العطاء الكريم الذي تفضلنا به على عبادنا المتقين ووعدناهم به ، من حقهم أن يسألونا تحقيقه لعظمه وسمو منزلته ، كما قال - تعالى - حكاية عنهم في آية أخرى رَبَّنا وآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ ، إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 267 . ( 2 ) سورة آل عمران الآية 194 .