تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
فأنت ترى أن هؤلاء الظالمين قد اشتمل قولهم الذي حكاه القرآن عنهم - على ست قبائح - قصدهم من التفوه بها صرف الناس عن اتباعه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآيات : أي : إن صح أنه رسول اللَّه فما باله حاله كحالنا « يأكل الطعام » كما نأكل ، ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد . يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش ، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكا إلى ، اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك ، حتى يتساندا في الإنذار والتخويف ، ثم نزلوا - أيضا - فقالوا : وإن لم يكن مرفودا بملك ، فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش . ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلا له بستان يأكل منه ويرتزق . . . وأراد بالظالمين : إياهم بأعيانهم . وضع الظاهر موضع المضمر ليسجل عليهم بالظلم فيما قالوا . . « 1 » . وقد رد اللَّه - تعالى - على مقترحاتهم الفاسدة ، بالتهوين من شأنهم وبالتعجيب من تفاهة تفكيرهم ، وبالتسلية للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما أصابه منهم فقال : * ( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا . ) * أي : انظر - أيها الرسول الكريم - إلى هؤلاء الظالمين ، وتعجب من تعنتهم ، وضحالة عقولهم . وسوء أقاويلهم . حيث وصفوك تارة بالسحر . وتارة بالشعر . وتارة بالكهانة . وقد ضلوا عن الطريق المستقيم في كل ما وصفوك به . وبقوا متحيرين في باطلهم ، دون أن يستطيعوا الوصول إلى السبيل الحق . وإلى الصراط المستقيم . فالآية الكريمة تعجيب من شأنهم ، واستعظام لما نطقوا به . وحكم عليهم بالخيبة والضلال ، وتسلية للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما قالوه في شأنه . ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه التسلية . تسلية أخرى لرسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال - تعالى - : * ( تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً . ) * أي : جل شأن اللَّه تعالى ، وتكاثرت خيراته ، فهو - سبحانه - الذي - إن شاء - جعل لك في هذه الدنيا - أيها الرسول الكريم - خيرا من ذلك الذي اقترحوه من الكنوز والبساتين ، بأن يهبك جنات عظيمة تجرى من تحت أشجارها الأنهار ، ويهبك قصورا فخمة ضخمة .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 265 .