بسرعة وخفة حركة ووصفها - سبحانه - هنا بأنها * ( حَيَّةٌ تَسْعى ) * ، ووصفها في سورة الشعراء بأنها ثُعْبانٌ مُبِينٌ « 1 » ووصفها في سورة النمل بأنها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ « 2 » .
ولا تنافى بين هذه الأوصاف ، لأن الحية اسم جنس يطلق على الصغير والكبير ، والذكر والأنثى ، والثعبان : هو العظيم منها ، والجان : هو الحية الصغيرة الجسم ، السريعة الحركة .
وقد صرحت بعض الآيات أن موسى - عليه السلام - عندما رأى عصاه قد تحولت إلى ذلك ، ولى مدبرا ولم يعقب . قال - تعالى - : وأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً ولَمْ يُعَقِّبْ . . .
ولكن اللَّه - تعالى - ثبت فؤاده ، وطمأن نفسه : * ( قالَ خُذْها ولا تَخَفْ ) * أي : خذ هذه الحية التي تحولت عصاك إليها ولا تخف منها ، كما هو الشأن في الطبائع البشرية ، فإنا * ( سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الأُولى ) * أي : سنعيد هذه الحية إلى هيئتها الأولى التي كانت عليها قبل أن تصير حية تسعى ، وهي أن نعيدها بقدرتنا التي لا بعجزها شيء إلى عصا كما كانت من قبل .
فالجملة الكريمة مسوقة لتعليل وجوب الامتثال للأمر وعدم الخوف ، أي : خذها ولا تخف منها ، فإن هذه الحية سنرجعها عصا كما كانت من قبل .
وقوله - تعالى - * ( سِيرَتَهَا ) * فعلة من السّير ، وهي الحالة والهيئة التي يكون عليها الإنسان ، وهو منصوب بنزع الخافض . أي : سنعيدها إلى هيئتها وحالتها الأولى .
قالوا : ومن الحكم التي من أجلها حول اللَّه - تعالى - العصا إلى حية تسعى : توطين قلب موسى - عليه السلام - على ذلك ، حتى لا يضطرب إذا ما تحولت إلى ثعبان عظيم عندما يلقيها أمام فرعون وقومه .
فقد جرت عادة الإنسان أن يقل اضطرابه من الشيء العجيب الغريب بعد رؤيته له لأول مرة .
ثم وجه - سبحانه - أمرا آخر إلى عبده موسى فقال : * ( واضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى ) * .
والضم : الجمع . يقال : ضم فلان أصابعه إذا جمعها . والجناح ، يطلق على العضد وعلى الجنب ، وعلى الإبط . وأصله جناح الطائر وسمى بذلك لأنه يجنحه ، أي : يميله عند الطيران ، ثم توسع فيه فأطلق على العضد وغيره .
هامش
( 1 ) الآية 32 .
( 2 ) الآية 10 .