تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
طاقة لي بحمل أعباء هذه الرسالة . قال صاحب الكشاف : « لما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي - لعنه اللَّه - عرف أنه كلف أمرا عظيما ، وخطبا جسيما يحتاج معه إلى احتمال مالا يحتمله إلا ذو جأش رابط ، وصدر فسيح ، فاستوهب ربه أن يشرح صدره ، ويفسح قلبه ، ويجعله حليما حمولا يستقبل ما عسى يرد عليه من الشدائد التي يذهب معها صبر الصابر . . وأن يسهل عليه في الجملة أمره الذي هو خلافة اللَّه في أرضه ، وما يصحبها من مزاولة معاظم الشؤون ، ومقاساة جلائل الخطوب . « 1 » . وقوله : * ( واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي ) * دعاء ثالث تضرع به إلى خالقه - تعالى - أي : وأسألك يا رب أن تحل عقدة من لساني حتى يفهم الناس قولي لهم ، وحديثي معهم ، فهما يتأتى منه المقصود ، فمن للتبعيض ، أي : واحلل عقده كائنة من عقده . وقد روى أنه كان بلسانه حبسة ، والأرجح أن هذا هو الذي عناه ، ويؤيده قوله - تعالى - في آية أخرى : وأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْه مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي ، إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ « 2 » . قال ابن كثير : « ذلك لما كان أصابه من اللثغ ، حين عرض عليه - فرعون - التمرة والجمرة ، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه . . وما سأل أن يزول ذلك بالكلية ، بل حيث يزول العي ، ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة ولو سأل الجميع لزال ، ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بقدر الحاجة ، ولهذا بقيت بقية . قال الحسن البصري : سأل موسى ربه أن يحل عقدة واحدة من لسانه ، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطى « 3 » . وقوله - سبحانه - : * ( واجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِه أَزْرِي وأَشْرِكْه فِي أَمْرِي ) * دعاء آخر تضرع به إلى ربه في أمر خارجي عنه ، بعد أن دعاه في أمر يتعلق بصدره ولسانه . وقوله : * ( وَزِيراً ) * من الموازرة وهي المعاونة . يقال : وازرت فلانا موازرة ، إذا أعنته على أمره . أو من الوزر - بفتح الواو والزاي - وهو الملجأ الذي يعتصم به الإنسان لينجو من الهلاك . أي : وأسألك - يا إلهي - أن تجعل لي « وزيرا » أي : معينا وظهيرا من أهلي في إبلاغ
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 60 . ( 2 ) سورة القصص الآية 34 . ( 3 ) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 276 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 99 | سيد محمد طنطاوي