تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
ولفظ الخلف بسكون اللام - الأولاد ، والواحد والجمع فيه سواء ، وأكثر ما يطلق على الأشرار والطالحين ، ومنه المثل السائر : « سكت ألفا ونطق خلفا » وقوله الشاعر :
ذهب الذين نعيش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب
والمراد بهذا اللفظ في الآية : اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين الذين جاؤوا بعد أنبيائهم ، ولكنهم خالفوا شريعتهم ، وأهملوا ما أمروهم به وما نهوهم عنه . أما لفظ « الخلف » بفتح اللام - فيطلق على البدل ولدا كان أو غير ولد وأكثر استعمالاته في المدح ، ومنه قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله . . » . والمعنى : فخلف من بعد أولئك الأخيار الذين أنعم اللَّه عليهم ، خلف سوء وشر ، ومن الأدلة على سوئهم وفجورهم أنهم * ( أَضاعُوا الصَّلاةَ ) * بأن تركوها ، أو لم يؤدوها على وجهها المشروع * ( واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ) * التي جعلتهم ينهمكون في المعاصي ، ويسارعون في اقتراف المنكرات . وقوله * ( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) * بيان لسوء عاقبتهم ، أي : فسوف يلقى هؤلاء المضيعون للصلاة ، المتبعون للشهوات ، خسرانا وشرا في دنياهم وآخرتهم ، بسبب ضلالهم وتنكبهم الصراط المستقيم . فالمراد بالغىّ : الخسران والضلال . يقال : غوى فلان يغوى إذ ضل . والاسم الغواية . وقيل : المراد بالغيّ هنا : واد في جهنم تستعيذ من حره أوديتها . وقيل : هو نهر في أسفل جهنم يسيل فيه صديد أهلها . ثم فتح - سبحانه - للتائبين باب الرحمة فقال : * ( إِلَّا مَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً . . . ) * . أي : هذا العقاب الشديد للمضيعين للصلاة ، وللمتبعين للشهوات ، لكن من تاب منهم توبة نصوحا ، وآمن باللَّه - تعالى - حق الإيمان ، وعمل في دنياه الأعمال الصالحة . * ( فَأُولئِكَ ) * المنعوتون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح * ( يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ) * بفضله - تعالى - ورحمته * ( ولا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ) * أي : ولا ينقصون من أجور أعمالهم شيئا . وقوله * ( جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَه بِالْغَيْبِ ) * . بدل من الجنة في قوله * ( فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ) * . أي : هؤلاء التائبون المؤمنون العاملون للصالحات يدخلهم اللَّه - تعالى - جنات عدن ، أي : الجنات الدائمة التي وعدهم الرحمن بدخولها ، وكان هذا الوعد في الدنيا قبل أن