تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
وقوله - تعالى - : * ( ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ) * بيان لدوام رزقهم فيها بدون انقطاع ، إذ ليس في الجنة نهار ولا ليل ، ولا بكرة ولا عشى . . . قال القرطبي ما ملخصه قوله * ( ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ) * أي : لهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب بكرة وعشيا ، أي : في قدر هذين الوقتين ، إذ لا بكرة ثم - أي هناك - ولا عشيا . . وقيل : رزقهم فيها غير منقطع . . . وخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من حديث أبان عن الحسن وأبى قلابة قالا : قال رجل يا رسول اللَّه ، هل في الجنة من ليل ؟ قال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « وما هيجك على هذا » ؟ قال : سمعت اللَّه - تعالى - يذكر في الكتاب : * ( ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ) * فقلت : الليل بين البكرة والعشى . فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « ليس هناك ليل وإنما هو ضوء ونور ، يرد الغدو على الرواح ، والرواح على الغدو ، وتأتيهم طرف الهدايا من اللَّه لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا ، وتسلم عليهم الملائكة » . ثم قال الإمام القرطبي : « وهذا في غاية البيان لمعنى الآية . . . » « 1 » . ثم أضاف - سبحانه - إلى تعظيمه لشأن الجنة تعظيما آخر فقال : * ( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ) * . فاسم الإشارة * ( تِلْكَ ) * يعود إلى ما تقدم من قوله : * ( فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ . . . ) * وقوله * ( جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَه بِالْغَيْبِ . . ) * . أي : تلك هي الجنة العظيمة الشأن ، العالية القدر ، التي نجعلها ميراثا للمؤمنين الصادقين المتقين من عبادنا ، كما قال - تعالى - : أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ وكما قال - سبحانه - : تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . قال صاحب الكشاف : قوله * ( نُورِثُ ) * . . أي : نبقى عليه الجنة كما نبقى على الوارث مال المورث ، ولأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة وقد انقضت أعمالهم وثمرتها باقية وهي الجنة ، فإذا أدخلهم - سبحانه - الجنة ، فقد أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفى . . » « 2 » . ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته ، وشمول علمه ، فقال - تعالى - :
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 11 ص 126 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 28 .