تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
وقوله - سبحانه - : * ( وإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوه مِنْه ) * بيان لعجز تلك الآلهة الباطلة من أمر آخر سوى الخلق . أي : وفضلا عن عجز تلك الأصنام مجتمعة عن خلق ذبابة ، فإنها إذا اختطف الذباب منها شيئا من الأشياء لا تستطيع استرداده منه لعجزها عن ذلك . قال القرطبي : وخص الذباب لأربعة أمور تخصه : لمهانته وضعفه ، ولاستقذاره وكثرته ، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره ، لا يقدر من عبدوه من دون اللَّه - تعالى - على خلق مثله ، ودفع أذيته ، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين ، وأربابا مطاعين ، وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على عجز الخاطف والمخطوف منه فقال : * ( ضَعُفَ الطَّالِبُ والْمَطْلُوبُ ) * . قال الآلوسي : والطالب : عابد غير اللَّه - تعالى - والمطلوب : الآلهة ، وكون عابد ذلك طالب لدعائه إياه ، واعتقاده نفعه ، وضعفه لطلبه النفع من غير جهته ، وكون الآخر مطلوبا ظاهرا كضعفه . وقيل : « الطالب الذباب يطلب ما يسلبه من الآلهة ، والمطلوب : الآلهة ، على معنى المطلوب منه ما يسلب . . » « 2 » . وعلى أية حال فإن هذا التعليل يدل دلالة واضحة على عجز كل معبود باطل ، وأنه قد تساوى في عجزه مع أضعف مخلوقات اللَّه وأحقرها . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن هؤلاء المشركين ، قد وضعوا الأمور في غير موضعها ، لجهلهم وغبائهم فقال : * ( ما قَدَرُوا اللَّه حَقَّ قَدْرِه . . . ) * . أي : ما عظموا اللَّه حق تعظيمه ، وما عرفوه حق معرفته ، حيث تركوا عبادة الواحد القهار ، وعبدوا ما يعجز عن رد ما سلبه الذباب منه . * ( إِنَّ اللَّه لَقَوِيٌّ ) * على خلق كل شيء * ( عَزِيزٌ ) * لا يغالبه مغالب ، ولا يدافعه مدافع . ثم بين - سبحانه - أن له مطلق التصرف في اختيار رسله فقال : * ( اللَّه يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النَّاسِ . . . ) * . أي : اللَّه - تعالى - وحده هو الذي يختار من بين ملائكته رسلا يرسلهم لتبليغ وحيه إلى
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 12 ص 97 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 17 ص 202 .