تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
والمثل : الشبيه والنظير ، ثم أطلق على القول السائر المعروف ، لمماثلة مضربه - وهو الذي يضرب فيه - بمورده - وهو الذي ورد فيه أولا - ولا يكون إلا لما فيه غرابة . وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفي ، وتقريب الشيء المعقول من الشيء المحسوس ، وعرض الغائب في صورة المشاهد ، فيكون المعنى الذي ضرب له المثل أوقع في القلوب ، وأثبت في النفوس . وسمى اللَّه - تعالى - ما ساقه في هذه الآية الكريمة مثلا ، لأن ما يفعله المشركون من عبادتهم لآلهة عاجزة ، يشبه المثل في غرابته وفي التعجب من فعله . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : الذي جاء به - سبحانه - ليس بمثل فكيف سماه مثلا ؟ . قلت : قد سميت الصفة أو القصة الرائعة الملتقاة بالاستغراب مثلا ، تشبيها لها ببعض الأمثال المسيرة ، لكونها مستحسنة مستغربة عندهم « 1 » . والمعنى : يا أيها الناس لقد بينا لكم قصة مستغربة وحالا عجيبة . لما يعبد من دون اللَّه - تعالى - فاستمعوا إليها بتدبر وتعقل . وقوله : * ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً ولَوِ اجْتَمَعُوا لَه . . ) * بيان للمثل وتفسير له . والذباب : اسم جنس واحده ذبابة - وهي حشرة معروفة بطيشها وضعفها وقذارتها . أي : إن المعبودات الباطلة التي تعبدونها أيها المشركون ، لن تستطيع أن تخلق ذبابة واحدة ، حتى لو اشتركت جميعها في محاولة خلق هذه الذبابة . قال صاحب الكشاف : وهذا من أبلغ ما أنزله اللَّه في تجهيل قريش ، واستركاك عقولهم . والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه - أي قد ربطهم برباطه ، حيث وصفوا بالإلهية - التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها - صورا وتماثيل ، يستحيل منها أن تقدر على أقل ما خلقه وأذله وأصغره وأحقره ، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا . . « 2 » .
هامش
( 1 ) ، ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 171 .