تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
لم يتجاوز مكر أمثالهم ممن دمرناهم تدميرا . وعلى هذه القراءة يكون المقصود بهذه الجملة الكريمة ، الاستخفاف بهم وبمكرهم ، وبيان أن ما يضمرونه من سوء ليس خافيا على اللَّه - تعالى - ولن يزلزل المؤمنين في عقيدتهم ، لأن إيمانهم كالجبال الرواسي في ثباته ورسوخه . وقرأ « الكسائي » « لتزول » - بفتح اللام على أنها لام الابتداء ، ورفع الفعل بعدها - و « إن » مخففة من الثقيلة . فيكون المعنى : وقد مكروا مكرهم ، وعند اللَّه مكرهم ، وإن مكرهم من الشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع من أماكنها ، لو كان لها أن تزول أو تنقلع . وعلى هذه القراءة يكون المراد بهذه الجملة الكريمة التعظيم والتهويل من شأن مكرهم ، وأنه أمر شنيع أو شديد في بابه ، كما في قوله - تعالى - : وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْه ، وتَنْشَقُّ الأَرْضُ . وتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّه مُخْلِفَ وَعْدِه رُسُلَه . . ) * تفريع على ما تقدم من قوله - تعالى - * ( ولا تَحْسَبَنَّ اللَّه غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ . . ) * وتأكيد لتسلية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ولتثبيت يقينه . وقوله « مخلف » اسم فاعل من الإخلاف ، بمعنى عدم الوفاء بالوعد وهو مفعول ثان لتحسب والمراد بالوعد هنا : ما وعد اللَّه - تعالى - به أنبياءه ورسله من نصره إياهم ، ومن جعل العاقبة لهم . قال - تعالى - إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهادُ « 2 » . وقال - تعالى - كَتَبَ اللَّه لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورُسُلِي إِنَّ اللَّه قَوِيٌّ عَزِيزٌ « 3 » . والمعنى : لقد وعدناك - أيها الرسول الكريم - بعذاب الظالمين ، وأخبرناك بجانب من العذاب الذي يحل بهم يوم القيامة ، وما دام الأمر كذلك فاثبت على الحق أنت وأتباعك ، وثق بأن اللَّه - تعالى - لن يخلف ما وعدك به من نصر على أعدائك . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل : مخلف رسله وعده ، ولم قدم المفعول الثاني
هامش
( 1 ) سورة مريم الآيات 88 - 90 . ( 2 ) سورة غافر الآية 51 . ( 3 ) سورة المجادلة الآية 21 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 577 | سيد محمد طنطاوي