تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 561

مساهمون:

ص٥٦١
و « وسخر لكم الليل والنهار » بأن جعلهما متعاقبين ، يأتي أحدهما في أعقاب الآخر ، فتنتفعون بكل منهما بما يصلح أحوالكم . فالليل تنتفعون به في راحتكم ومنامكم . . . والنهار تنتفعون به في معاشكم وطلب رزقكم قال - تعالى - وجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ، وجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً . تم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله * ( وآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوه . . . ) * . أي : وأعطاكم - فضلا عما تقدم من النعم - بعضا من جميع ما سألتموه إياه من نعم ، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته التي لا تعلمونها كما قال - تعالى - ولَوْ بَسَطَ اللَّه الرِّزْقَ لِعِبادِه لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ ولكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ ، إِنَّه بِعِبادِه خَبِيرٌ بَصِيرٌ « 1 » . قال الجمل ما ملخصه « قوله * ( وآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوه ) * أي : كل نوع أو كل صنف سألتموه أي : شأنكم أن تسألوه لاحتياجكم إليه ، وإن لم تسألوه بالفعل . وفي « من » قولان : أحدهما أنها زائدة في المفعول الثاني ، أي : آتاكم كل ما سألتموه . والثاني أن تكون تبعيضية أي : وآتاكم بعض جميع ما سألتموه وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره : وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه ، وهو رأى سيبويه . . » « 2 » . وجملة « وإن تعدوا نعمة اللَّه لا تحصوها » مؤكدة لمضمون ما قبلها . أي : وإن تحاولوا عد نعم اللَّه عليكم ، وتحاولوا تحديد هذا العدد ، لن تستطيعوا ذلك لكثرة هذه النعم ، وخفاء بعضه عليكم . والإحصاء : ضبط العدد وتحديده ، مأخوذ من الحصا وهو صغار الحجارة لأن العرب كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ . قال ابن كثير : « يخبر - سبحانه - عن عجز العباد من تعداد نعمه فضلا عن القيام بشكرها ، كما قال طلق بن حبيب - رحمه اللَّه - : إن حق اللَّه أثقل من أن يقوم به العباد ، وإن نعم اللَّه أكثر من يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين . وفي صحيح البخاري أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان يقول : « لك الحمد غير مكفى - أي لم يكفه غيره بل هو - سبحانه - يكفى غيره - ولا مودع - أي متروك حمده - ،
هامش
( 1 ) سورة الشورى آية 27 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 526 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 561 | سيد محمد طنطاوي