تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
أي : ويقول الكافرون على سبيل العناد والجحود ، هلا أنزل على هذا الرسول آية كونية تدل على صدقه ، كأن يحيى لنا موتانا ، أو أن يحول لنا جبل الصفا ذهبا . . . وكأنهم يرون أن القرآن الذي نزل عليه صلى اللَّه عليه وسلم لا يكفى - في زعمهم - أن يكون آية ومعجزة شاهدة على صدقه . وقد أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يرد عليهم بقوله : * ( قُلْ إِنَّ اللَّه يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي إِلَيْه مَنْ أَنابَ ) * . أي : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التعجيب من أحوالهم ومن شدة ضلالهم : إن اللَّه - تعالى - يضل عن طريق الحق من يريد إضلاله ، لاستحباب هذا الضال العمى على الهدى ، ويهدى إلى صراطه المستقيم ، من أناب إليه - سبحانه - ورجع إلى الحق الذي جاء به رسوله صلى اللَّه عليه وسلم بقلب سليم . وعقل متفتح لمعرفة الصواب والرشاد . فالجملة الكريمة تعجيب من أقوالهم الباطلة ، ومن غفلتهم عن الآيات الباهرة التي أعطاها اللَّه - تعالى - لرسوله صلى اللَّه عليه وسلم وعلى رأسها القرآن الكريم الذي هو آية الآيات ، وحض لهم على الإقلاع عما هم عليه من العتو والعناد . والإنابة : الرجوع إلى الشيء بعد تردد ، فقد جرت عادة كثير من النفوس البشرية أن يعرض عليها الحق فتتردد في قبوله في أول الأمر ، ثم تعود إلى قبوله واعتناقه بعد قيام الدلائل على صحته وسلامته من الفساد . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف طابق قولهم * ( لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْه آيَةٌ مِنْ رَبِّه ) * قوله * ( قُلْ إِنَّ اللَّه يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ . . . ) * ؟ قلت : هو كلام يجرى مجرى التعجب من قولهم ، وذلك أن الآيات الباهرة والمتكاثرة التي أوتيها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لم يؤتها نبي قبله ، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آية . فإذا جحدوها ولم يهتدوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط ، كان موضعا للتعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم : ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كفركم ، إن اللَّه يضل من يشاء ممن كان على صفتكم من التصميم وشدة الشكيمة في الكفر ، فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية * ( ويَهْدِي إِلَيْه مَنْ ) * كان على خلاف صفتكم * ( أَنابَ ) * أقبل إلى الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير » « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 359 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 477 | سيد محمد طنطاوي