تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
ثم رسم القرآن صورة مشرقة للقلوب المؤمنة ، وللجزاء الحسن الذي أعده اللَّه لها فقال - تعالى - * ( الَّذِينَ آمَنُوا ) * حق الإيمان ، * ( وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّه ) * أي : تستقر قلوبهم وتسكن ، بسبب تدبرهم لكلامه المعجز وهو القرآن الكريم وما فيه من هدايات . وإطلاق الذكر على القرآن الكريم ورد في آيات منها قوله - تعالى - وهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناه أَفَأَنْتُمْ لَه مُنْكِرُونَ « 1 » وقوله - تعالى - إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ « 2 » . وقوله : * ( أَلا بِذِكْرِ اللَّه تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) * أي : ألا بذكره وحده دون غيره من شهوات الحياة تسكن القلوب أنسا به ، ومحبة له . ويصح أن يراد بذكر اللَّه هنا ما يشمل القرآن الكريم ، ويشمل ذكر الخالق - عز وجل - باللسان ، فإن إجراءه على اللسان ينبه القلوب إلى مراقبته - سبحانه - كما يصح أن يراد به خشيته - سبحانه - ومراقبته بالوقوف عند أمره ونهيه . إلا أن الأظهر هنا أن يراد به القرآن الكريم ، لأنه الأنسب للرد على المشركين الذين لم يكتفوا به كمعجزة دالة على صدقه صلى اللَّه عليه وسلم وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه . واختير الفعل المضارع في قوله - سبحانه - * ( تَطْمَئِنُّ ) * مرتين في آية واحدة ، للإشارة إلى تجدد الاطمئنان واستمراره ، وأنه لا يتخلله شك ولا تردد . وافتتحت جملة * ( أَلا بِذِكْرِ اللَّه تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) * بأداة الاستفتاح المفيدة للتنبيه ، للاهتمام بمضمونها ، وللإغراء بالإكثار من ذكره - عز وجل - ، ولإثارة الكافرين إلى الاتسام بسمة المؤمنين لتطمئن قلوبهم . ولا تنافى بين قوله - تعالى - هنا * ( أَلا بِذِكْرِ اللَّه تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) * وبين قوله في سورة الأنفال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّه وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ . . . أي : خافت . لأن وجلهم إنما هو عند ذكر الوعيد والعقاب والطمأنينة عند ذكر الوعد والثواب . أو وجلت من هيبته وخشيته - سبحانه - وهو لا ينافي اطمئنان الاعتماد والرجاء . وقوله - تعالى - * ( الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وحُسْنُ مَآبٍ ) * بيان للثواب الجزيل الذي أعده - سبحانه - للمؤمنين الصادقين .
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء الآية 50 . ( 2 ) سورة الحجر الآية 9 .