أي : كما أرسلنا رسلا سابقين إلى أقوامهم ، أرسلناك يا محمد إلى قومك الذين قد سبقهم أقوام ورسل كثيرون لكي تقرأ على مسامعهم هذا القرآن العظيم الذي أوحيناه إليك من لدنا ، ولتبين لهم ما اشتمل عليه من هدايات وتشريعات ، كما بين الرسل الذين سبقوك لأقوامهم ما أمرهم اللَّه - تعالى - ببيانه .
وفي قوله - تعالى - : * ( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ ) * تعريض بمشركي مكة ، وأنهم إذا ما استمروا في طغيانهم ، فسيصيبهم ما أصاب الأمم الخالية .
وقوله * ( لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) * المقصود منه تفخيم شأن القرآن الكريم ، وأنه هو المعجزة الكبرى للرسول صلى اللَّه عليه وسلم وأن وظيفة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم قراءته عليهم قراءة تدبر واستجابة لما يدعوهم إليه .
وأن قول المشركين * ( لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْه آيَةٌ مِنْ رَبِّه ) * إنما هو قول يدل على عنادهم وغبائهم وجحودهم للحق بعد أن تبين .
وجملة * ( وهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ ) * حالية .
أي : أرسلناك أيها الرسول الكريم إلى هؤلاء الضالين ، لتتلو عليهم ما ينقذهم من الضلال ، ولكنهم عموا وصموا عن سماعه ، والحال أنهم يكفرون بالرحمن أي العظيم الرحمة ، الذي وسعت رحمته كل شيء .
وأوثر اختيار اسم الرحمن من بين أسمائه - تعالى - للإشارة إلى أن إرساله صلى اللَّه عليه وسلم مبعثه الرحمة كما قال - تعالى - : وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 1 » .
وللرد عليهم في إنكارهم أن يكون اللَّه - تعالى - رحمانا ، فقد حكى القرآن عنهم ذلك في قوله وإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا ومَا الرَّحْمنُ « 2 » .
وقد ثبت في الحديث الصحيح أنهم لم يرضوا بكتابة هذا الاسم الكريم في صلح الحديبية ، فعند ما قال صلى اللَّه عليه وسلم لعلىّ : اكتب بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال أحد زعمائهم . ما ندري ما الرحمن الرحيم . . .
وقد أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يرد عليهم بما يبطل كفرهم فقال : * ( قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِله إِلَّا هُوَ عَلَيْه تَوَكَّلْتُ وإِلَيْه مَتابِ ) * .
أي : قل لهم أيها الرسول الكريم : الرحمن الذي تتجافون النطق باسمه الكريم هو وحده
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء الآية 107 .
( 2 ) سورة الفرقان الآية 60 .