تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
وقوله : * ( ويَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّه بِه أَنْ يُوصَلَ ) * أي : ويقطعون كل ما أوجب اللَّه - تعالى - وصله ، ويدخل فيه وصل الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بالاتباع والموالاة ، ووصل المؤمنين بالمعاونة ، والمحبة ، ووصل أولى الأرحام بالمودة والتعاطف ، فالجملة الكريمة بيان لحال هؤلاء الأشقياء بأنهم كانوا على الضد من أولئك الأوفياء الأخيار الذين كانوا يصلون ما أمر اللَّه به أن يوصل . وقوله : * ( ويُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ) * بيان لصفة ثالثة من صفاتهم القبيحة . أي : أنهم كانوا يفسدون في الأرض عن طريق حربهم لدعوة الحق ، واعتدائهم على المؤمنين ، وغير ذلك من الأمور التي كانوا يقترفونها مع أن اللَّه - تعالى - قد حرمها ونهى عنها . وقوله - تعالى - : * ( أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) * إخبار عن العذاب الشديد الذي يلقونه في آخرتهم . أي : أولئك الموصوفون بتلك الصفات الذميمة * ( لَهُمُ ) * من اللَّه - تعالى - « اللعنة » والطرد من رحمته . * ( ولَهُمْ ) * فوق ذلك ، الدار السيئة وهي جهنم التي ليس فيها إلا ما يسوء الصائر إليها . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الغنى والفقر بيده ، وأن العطاء والمنع بأمره فقال - تعالى - : * ( اللَّه يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ويَقْدِرُ . . . ) * . وبسط الرزق كناية عن سعته ووفرته وكثرته . ومعنى : « يقدر » يضيق ويقلل . قال الإمام الشوكاني : « لما ذكر - سبحانه - عاقبة المشركين بقوله * ( أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) * كان لقائل أن يقول : قد نرى كثيرا منهم قد وفر اللَّه له في الرزق وبسط له فيه . فأجاب - سبحانه - عن ذلك : * ( اللَّه يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ويَقْدِرُ ) * فقد يبسط الرزق لمن كان كافرا ، ويقتره على من كن مؤمنا ابتلاء وامتحانا ، ولا يدل البسط على الكرامة ، ولا القبض على الإهانة . . . » « 1 » . أي : اللَّه - تعالى - وحده هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء من خلقه ، وهو وحده - أيضا - الذي يضيقه على من يشاء منهم لحكم هو يعلمها ، ولا تعلق لذلك بالكفر أو الإيمان ، فقد يوسع على الكافر استدراجا له ، وقد يضيق على المؤمن امتحانا له ، أو زيادة في أجره .
هامش
( 1 ) تفسير ( فتح القدير ) للإمام الشوكاني ج 3 ص 80 .