تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
وقوله * ( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ) * بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - سبحانه - ورحمته بعباده . ولفظ * ( يُغْشِي ) * من التغشية بمعنى التغطية والستر . والمعنى : أن من مظاهر قدرته - سبحانه - أنه يجعل الليل غاشيا للنهار مغطيا له فيذهب بنوره وضيائه . فيصير الكون مظلما بعد أن كان مضيئا . ويجعل النهار غاشيا لليل ، فيصير الكون مضيئا بعد أن كان مظلما ، وفي ذلك من منافع الناس ما فيه ، إذ بذلك يجمع الناس بين العمل والراحة ، وبين السعي والسكون . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) * . أي : إن في ذلك الذي فعله اللَّه - تعالى - من بسط الأرض طولا وعرضا ومن تثبيتها بالرواسى ، ومن شقها بالأنهار . . . لآيات باهرة ، ودلائل ظاهرة على قدرة اللَّه - تعالى - ورحمته بعباده ، لقوم يحسنون التفكر ، ويطيلون التأمل في ملكوت السماوات والأرض . ثم ساق - سبحانه - مظاهر أخرى لقدرته فقال - تعالى - : * ( وفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) * . والقطع : جمع قطعة - بكسر القاف - وهي الجزء من الشيء ، تشبيها لها ، بما يقتطع من الشيء . ومتجاورات . أي : متلاقيات ومتقاربات . وليس هذا الوصف مقصودا لذاته ، بل المقصود أنها مع تجاورها وتقاربها مختلفة في أوصافها مما يشهد بقدرة اللَّه - تعالى - العظيمة . ولذا قال ابن كثير ما ملخصه : * ( وفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) * أي : أراض يجاور بعضها بعضا ، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينتفع به الناس ، وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئا ، وهذه تربتها حمراء ، وتلك تربتها سوداء . . . وهذه محجرة وتلك سهلة . . . والكل متجاورات ، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار ، لا إله إلا هو ولا رب سواه « 1 » . وقال - سبحانه - * ( وفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) * بإعادة اسم الأرض الظاهر ، ولم يقل وفيها قطع متجاورات كما قال : * ( جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) * في الآية السابقة ، وذلك ليكون كلاما مستقلا ، وليتجدد الأسلوب فيزداد حلاوة وبلاغة . وقوله * ( وجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ ) *
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 353 طبعة دار الشعب .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 442 | سيد محمد طنطاوي