تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على عباده فقال : * ( وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى ) * . والتسخير : التذليل والخضوع . أي : أن من مظاهر فضله أنه - سبحانه - سخر ذلك وأخضع لقدرته الشمس والقمر ، بأن جعلهما طائعين لما أراده منهما من السير في منازل معينة ، ولأجل معين محدد لا يتجاوزانه ولا يتعديانه . بل يقفان عند نهاية المدة التي حددها - سبحانه - لوقوفهما وأفولهما . قال - تعالى - لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ، ولَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ، وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ ، يُفَصِّلُ الآياتِ ، لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) * . وتدبير الأمر : تصريفه على أحسن الوجوه وأحكمها وأكملها . والآيات : جمع آية . والمراد بها هنا : ما يشمل الآيات القرآنية ، والبراهين الكونية الدالة على وحدانيته وقدرته - سبحانه - . أي : أنه - سبحانه - يقضى ويقدر ويتصرف في أمر خلقه على أكمل الوجوه وأنه - سبحانه - ينزل آياته القرآنية واضحة مفصلة ، ويسوق الأدلة الدالة على وحدانيته وقدرته بطرق متعددة ، وبوجوه متنوعة . وقد فعل - سبحانه - ما فعل - من رفعه السماء بلا عمد ، ومن تسخيره للشمس والقمر ، ومن تدبيره لأمور خلقه ، ومن تفصيله للآيات لعلكم عن طريق التأمل والتفكير فيما خلق ، توقنون بلقائه ، وتعتقدون أن من قدر على إيجاد هذه المخلوقات العظيمة ، لا يعجزه أن يعيدكم إلى الحياة بعد موتكم ، لكي يحاسبكم على أعمالكم . وقال - سبحانه - * ( يُدَبِّرُ ) * و * ( يُفَصِّلُ ) * بصيغة المضارع . وقال قبل ذلك * ( رَفَعَ السَّماواتِ ) * و * ( سَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ ) * بصيغة الماضي . لأن التدبير للأمور ، والتفصيل للآيات ، يتجددان بتجدد تعلق قدرته - سبحانه - بالمقدورات . وأما رفع السماوات ، وتسخير الشمس والقمر ، فهي أمور قد تمت واستقرت دفعة واحدة . وبعد أن ذكر - سبحانه - بعض مظاهر قدرته في عالم السماوات ، أتبعه بذكر بعض هذه المظاهر في عالم الأرض فقال - تعالى - : * ( وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأَنْهاراً ومِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) * والمد : البسسط والسعة . ومنه ظل مديد أي متسع .
هامش
( 1 ) سورة يس الآية 40 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 440 | سيد محمد طنطاوي