تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
فامتنع ، * ( وما أُبَرِّئُ نَفْسِي . . . ) * تقول المرأة : ولست أبرئ نفسي ، فإن النفس تتحدث وتتمنى ، ولهذا راودته لأنها أمارة بالسوء . * ( إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ) * أي : من عصمه اللَّه - تعالى - . . . ثم قال : « وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام . لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ، ولم يكن يوسف - عليه السلام - عندهم ، بل بعد ذلك أحضره الملك » « 1 » . وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن القسم الأول من حياة يوسف - عليه السلام - القسم الذي تعرض خلاله لألوان من المحن والآلام ، بعضها من إخوته ، وبعضها من امرأة العزيز ، وبعضها من السجن ومرارته . . . ثم بدأت بعد ذلك في الحديث عن الجانب الثاني من حياته عليه السلام . وهو جانب الرخاء والعز والتمكين في حياته ، فقال - تعالى - : * ( وقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِه أَسْتَخْلِصْه لِنَفْسِي . . . ) * . وفي الكلام إيجاز بالحذف ، والتقدير : وبعد أن انكشفت للملك براءة يوسف - عليه السلام - انكشافا تاما ، بسبب ما سمعه عنه من النسوة ومن امرأة العزيز ، وبعد أن سمع تفسيره للرؤيا وأعجب به ، كما أعجب بسمو نفسه وإبائه . . . بعد كل ذلك قال الملك لخاصته : ائتوني بيوسف هذا ، ليكون خالصا لنفسي ، وخاصا بي في تصريف أموري ، وكتمان أسرارى ، وتسيير دفة الحكم في مملكتي . والسين والتاء في قوله « أستخلصه » للمبالغة في الخلوص له ، فهما للطلب كما في استجاب ، والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الشركة . فكأن الملك قد شبه يوسف - عليه السلام - بالشيء النفيس النادر ، الذي يجب أن يستأثر به الملك دون أن يشاركه فيه أحد سواه . والفاء في قوله « فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين » معطوفة على محذوف يفهم من السياق . والضمير المنصوب في « كلَّمه » يعود على الملك - على الراجح - . والمراد باليوم : الزمان الذي حدث فيه التخاطب بين الملك ويوسف .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 320 .