والذي يتأمل هذا الكلام الذي حكاه القرآن عن امرأة العزيز ، يراه زاخرا بالصراحة التي ليس بعدها صراحة ، وبالمشاعر والانفعالات الدالة على احترامها ليوسف الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، رغم الإغراءات المصحوبة بالترغيب والترهيب ، ويبدو لنا - واللَّه أعلم - أن هذا الكلام ما قالته امرأة العزيز ، إلا بعد أن استقرت عقيدة الإيمان التي آمن بها يوسف في قلبها ، وبعد أن رأت فيه إنسانا يختلف في استعصامه باللَّه وفي سمو نفسه ، عن غيره من الناس الذين رأتهم .
هذا ، ويرى كثير من المفسرين أن كلام امرأة العزيز قد انتهى عند قوله - تعالى - * ( وإِنَّه لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) * وأن قوله - تعالى - بعد ذلك * ( ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْه بِالْغَيْبِ . . . ) * إلى قوله - تعالى - * ( إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * هو من كلام يوسف - عليه السلام - ، فيكون المعنى :
وذلك ليعلم « أي العزيز » أنى لم أخنه ، في أهله * ( بِالْغَيْبِ ) * أي في غيبته * ( وأَنَّ اللَّه لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ) * من النساء والرجال ، بل يبطل هذا الكيد ويفضحه .
* ( وما أُبَرِّئُ نَفْسِي ) * أي : ولا أنزهها عن السوء ، وهذا من باب التواضع منه - عليه السلام - * ( إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) * أي : إن هذا الجنس من الأنفس البشرية ، شأنه الأمر بالسوء والميل إلى الشهوات .
* ( إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ) * من النفوس فعصمها عن أن تكون أمارة بالسوء .
* ( إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * لمن شاء أن يغفر له ويرحمه من خلقه .
والذي نراه أن الرأي الأول الذي سرنا عليه هو الجدير بالقبول ، لأنه هو المناسب لسياق الآيات من غير تكلف ، ولأنه لا يؤدى إلى تفكك الكلام وانقطاع بعضه عن بعض ، بخلاف الرأي الثاني الذي يرى أصحابه أن كلام امرأة العزيز قد انتهى عند قوله - تعالى - « وإنه لمن الصادقين » فإنه يؤدى إلى تفكك الكلام ، وعدم ارتباط بعضه ببعض ، فضلا عن أن وقائع التاريخ لا تؤيده ، لأن يوسف - عليه السلام - كان في السجن عندما أحضر الملك النسوة وقال لهن : « ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه . . . » . وعند ما قالت امرأة العزيز أمام الملك وأمامهن : « الآن حصحص الحق . . » إلى قوله - تعالى - * ( إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * .
ومن المفسرين الذين أيدوا الرأي الأول الإمام ابن كثير فقد قال ما ملخصه : « ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب . . . » تقول : إنما اعترفت بهذا على نفسي ، بأنى راودت هذا الشاب
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 378
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٧٨