تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
« إنما تأنى وتثبت يوسف في إجابة الملك ، وقدم سؤال النسوة ، ليظهر براءة ساحته عما قذف به وسجن فيه ، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده . ويجعلوه سلما إلى حط منزلته لديه ، ولئلا يقولوا : ما خلد في السجن إلا لأمر عظيم ، وجرم كبير ، حق به أن يسجن ويعذب ، ويستكف شره . وفيه دليل على أن الاجتهاد في نفى التهم ، واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها » « 1 » . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية بعض الأحاديث في فضل يوسف - عليه السلام - فقال ما ملخصه : وقد وردت السنة بمدحه على ذلك - أي على امتناعه من الخروج من السجن حتى يتحقق الملك ورعيته من براءة ساحته ونزاهة عرضه - ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « نحن أحق بالشك من إبراهيم ، إذ قال : رب أرني كيف تحيى الموتى ؟ قال : أو لم تؤمن ؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ، ويرحم اللَّه لوطا ، لقد كان يأوى إلى ركن شديد ، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي » . وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة في قوله - تعالى - * ( فَسْئَلْه ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ . . . ) * أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لو كنت أنا لأسرعت الإجابة ، وما ابتغيت العذر » . وروى عبد الرزاق عن عكرمة قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه واللَّه يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجونى . ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه واللَّه يغفر له ، حين أتاه الرسول ، ولو كنت مكانه لبادرتهم إلى الباب ، ولكنه أراد أن يكون له العذر » « 2 » . هذا ، وقوله - سبحانه - * ( قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِه ) * حكاية لما فعله الملك بعد أن بلغه الرسول بما طلبه يوسف منه . وفي الكلام حذف يفهم من السياق ، والتقدير : وبعد أن رجع رسول الملك إليه وأخبره بما قاله يوسف ، استجاب الملك لما طلبه يوسف منه ، فأخضر النسوة وقال لهن : ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 325 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 317 ، وما ورد في هذه الأحاديث إنما هو من باب التواضع من سيدنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وإلا فإنه صلى اللَّه عليه وسلم أقوى الرسل عزما ، وأرفعهم مقاما ، وأشدهم صبرا .