تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ، ما لم تتكلم به ، أو تعمل به » « 1 » . وقد أجمع العلماء على أن همّ امرأة العزيز بيوسف كان هما بمعصية ، وكان مقرونا بالعزم والجزم والقصد ، بدليل المراودة وتغليق الأبواب ، وقولها « هيت لك » . كما أجمعوا على أن يوسف - عليه السلام - لم يأت بفاحشة ، وأن همه كان مجرد خاطرة قلب بمقتضى الطبيعة البشرية : من غير جزم وعزم . . . وهذا اللون من الهم لا يدخل تحت التكليف ، ولا يخل بمقام النبوّة ، كالصائم يرى الماء البارد في اليوم الشديد الحرارة ، فتميل نفسه إليه ، ولكن دينه يمنعه من الشرب منه ، فلا يؤاخذ بهذا الميل . والمراد ببرهان ربه هو : ما غرسه اللَّه - تعالى - في قلبه من العلم المصحوب بالعمل ، بأن هذا الفعل الذي دعته إليه امرأة العزيز قبيح ، ولا يليق به . أو هو - كما يقول ابن جرير - رؤيته من آيات اللَّه ما زجره عما كان همّ به . . والمعنى : ولقد همت به ، أي : ولقد قصدت امرأة العزيز مواقعة يوسف - عليه السلام - قصدا جازما ، بعد أن أغرته بشتى الوسائل فلم يستجب لها . . . * ( وهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّه ) * أي : ومال إلى مطاوعتها بمقتضى طبيعته البشرية وبمقتضى توفر كل الدواعي لهذا الميل . . . ولكن مشاهدته للأدلة على شناعة المعصية ، وخوفه لمقام ربه ، وعون اللَّه - تعالى - له على مقاومة شهوته . . . كل ذلك حال بينه وبين تنفيذ هذا الميل ، وصرفه عنه صرفا كليا ، وجعله يفر هاربا طالبا النجاة مما تريده منه تلك المرأة . هذا هو الرأي الذي نختاره في تفسير هذه الآية الكريمة ، وقد استخلصناه من أقوال المفسرين القدامى والمحدثين . فمن المفسرين القدامى الذين ذكروا هذا الرأي صاحب الكشاف ، فقد قال ما ملخصه . وقوله - تعالى - * ( ولَقَدْ هَمَّتْ بِه ) * معناه : ولقد همت بمخالطته « وهم بها » أي : وهم بمخالطتها « لولا أن رأى برهان ربه » جوابه محذوف تقديره لولا أن رأى برهان ربه لخالطها ، فحذف لأن قوله وهم بها يدل عليه ، كقولك : هممت بقتله لولا أنى خفت اللَّه معناه : لولا أنى خفت اللَّه لقتلته .
هامش
( 1 ) تفسير القاسمي ج 9 ص 3528 .