تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
وقوله - سبحانه - * ( وراوَدَتْه الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِه . . . ) * رجوع إلى شرح ما جرى ليوسف في منزل العزيز بعد أن أمر امرأته بإكرام مثواه ، وما كان من حال تلك المرأة مع يوسف ، وكيف أنها نظرت إليه بعين ، تخالف العين التي نظر بها إليه زوجها . والمراودة - كما يقول صاحب الكشاف - مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب ، كأن المعنى : خادعته عن نفسه ، أي : فعلت معه ما يفعله المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده ، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه ، وهو عبارة عن التحايل لمواقعته إياها « 1 » . والتعبير عن حالها معه بالمراودة المقتضية لتكرار المحاولة ، للإشعار بأنها كان منها الطلب المستمر ، المصحوب بالإغراء والترفق والتحايل على ما تشتهيه منه بشتى الوسائل والحيل . وكان منه - عليه السلام - الإباء والامتناع عما تريده خوفا من اللَّه - تعالى . . وقال - سبحانه - * ( الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها ) * دون ذكر لاسمها ، سترا لها ، وابتعادا عن التشهير بها ، وهذا من الأدب السامي الذي التزمه القرآن في تعبيراته وأساليبه ، حتى يتأسى أتباعه بهذا اللون من الأدب في التعبير . والمراد ببيتها : بيت سكناها ، والإخبار عن المراودة بأنها كانت في بيتها . أدعى لإظهار كمال نزاهته عليه السلام - فإن كونه في بيتها يغرى بالاستجابة لها ، ومع ذلك فقد أعرض عنها ، ولم يطاوعها في مرادها . وعدى فعل المراودة بعن ، لتضمنه معنى المخادعة . قال بعض العلماء : و « عن » هنا للمجاوزة ، أي : راودته مباعدة له عن نفسه ، أي : بأن يجعل نفسه لها ، والظاهر أن هذا التركيب من مبتكرات القرآن الكريم ، فالنفس هنا كناية عن غرض المواقعة ، قاله ابن عطية ، أي : فالنفس أريد بها عفافه وتمكينها منه لما تريد ، فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها إرادته وحكمه في نفسه » « 2 » . وقوله * ( وغَلَّقَتِ الأَبْوابَ ) * أي : أبواب بيت سكناها الذي تبيت فيه بابا فبابا ، قيل : كانت الأبواب سبعة . والمراد أنها أغلقت جميع الأبواب الموصلة إلى المكان الذي راودته فيه إغلاقا شديدا محكما ، كما يشعر بذلك التضعيف في « غلَّقت » زيادة في حمله على الاستجابة لها .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 310 . ( 2 ) تفسير التحرير والتنوير ج 12 ص 250 للشيخ الفاضل بن عاشور .