تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
ففي هذه الجملة الكريمة تشبيه بليغ ، حيث شبه - سبحانه - القرى التي بعض آثارها ما يزال باقيا بالزرع القائم على ساقه ، وشبه ما زال منها واندثر بالزرع المحصود . وحصيد مبتدأ محذوف الخبر لدلالة ما قبله عليه ، أي منها قائم ومنها حصيد . وقوله - سبحانه - * ( وما ظَلَمْناهُمْ ولكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ : . . ) * بيان لمظاهر عدله في قضائه وأحكامه . والضمير المنصوب في * ( ظَلَمْناهُمْ ) * يعود إلى أهل هذه القرى ، لأنهم هم المقصودون بالحديث . أي : وما ظلمنا أهل هذه القرى بإهلاكنا إياهم ، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم ، بسبب إصرارهم على الكفر ، وجحودهم للحق ، واستهزائهم بالرسل الذين جاؤوا لهدايتهم . . . ثم بين - سبحانه - موقف آلهتهم المخزى منهم فقال : * ( فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ . . ) * . أي : أن هؤلاء المهلكين عندما نزل بهم العذاب ، لم تنفعهم أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون اللَّه شيئا من النفع . . . بل هي لم تنفع نفسها فقد اندثرت معهم كما اندثروا . والفاء في قوله - سبحانه - * ( فَما أَغْنَتْ ) * للتفريع على ظلمهم لأنفسهم ، لأن اعتمادهم على شفاعة الأصنام ، وعلى دفاعها عنهم . . . من مظاهر جهلهم وغبائهم وظلمهم لأنفسهم . و * ( مِنْ ) * في قوله : * ( مِنْ شَيْءٍ ) * لتأكيد انتفاء النفع والإغناء : أي : لم تغن عنهم شيئا ولو قليلا من الإغناء ولم تنفعهم لا في قليل ولا كثير . . . وجملة * ( وما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ) * تأكيد لنفى النفع ، وإثبات للضر والخسران . والتتبيب : مصدر تب بمعنى خسر ، وتبب فلان فلانا إذا أوقعه في الخسران . ومنه قوله - تعالى - تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ أي : هلكتا وخسرتا كما قد هلك وخسر هو . أي : وما زادتهم أصنامهم التي كانوا يعتمدون عليها في دفع الضر سوى الخسران والهلاك . قال الإمام الرازي : والمعنى : أن الكفار كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين على تحصيل المنافع ودفع المضار ، ثم إنه - تعالى - أخبر أنهم عند مساس الحاجة إلى المعين ، ما وجدوا منها شيئا لا جلب نفع ولا دفع ضر ، ثم كما لم يجدوا ذلك فقد وجدوا ضده ، وهو أن ذلك الاعتقاد
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 271 | سيد محمد طنطاوي