تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
وقال - سبحانه - * ( فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ) * ولم يقل فاتبعوا أمره ، للتشهير به ، والإعلان عن ذمه الذي صرح به في قوله - سبحانه - * ( وما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) * . والرشيد بزنة - فعيل - من الفعل رشد من باب نصر وفتح : هو الشخص المتصف بإصابة الرأي ، وجودة التفكير ، وأضيف الرشد إلى الأمر على سبيل المجاز ، مبالغة في اشتمال أمر فرعون على ما يناقض الرشد والسداد ، ويطابق الغي والفساد . أي : ما شأن فرعون وأمره بذي رشد وهدى ، بل هو محض الغي والضلال ، فكان من الواجب على ملئه أن ينبذوه ويهملوه ، بدل أن يطيعوه ويتبعوه . . . ثم بين - سبحانه - سوء مصيره ومصير أتباعه فقال : * ( يَقْدُمُ قَوْمَه يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) * . ويقدم - كينصر - بمعنى يتقدم مأخوذ من الفعل قدم - بفتح الدال - تقول : قدم الرجل يقدم قدما وقدوما بمعنى : تقدم ، ومنه قادمة الرحل بمعنى مقدمته . وقوله * ( فَأَوْرَدَهُمُ ) * من الإيراد وهو جعل الشيء واردا إلى المكان - وداخلا فيه . والورد - بكسر الواو - يطلق على الماء الذي يرد إليه الإنسان والحيوان للشرب . والمعنى : يتقدم فرعون قومه يوم القيامة إلى جهنم ، كما كان يتقدمهم في الكفر في الدنيا ، فأوردهم النار ، أي : فدخلها وأدخلهم معه فيها . وعبر بالماضي مع أن ذلك سيكون يوم القيامة لتحقيق الوقوع وتأكده ، وقد صرح القرآن بأنهم سيدخلون النار بمجرد موتهم فقال - تعالى - : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ « 1 » . وقوله وبئس الورد المورود ، أي : وبئس الورد الذي يردونه النار ، لان الورد - الذي هو النصيب المقدر للإنسان من الماء - إنما يذهب إليه قاصده لتسكين عطشه ، وإرواء ظمئه ، وهؤلاء إنما يذهبون إلى النار التي هي الضد من ذلك . ثم صرح - سبحانه - بلعتهم في الدارين فقال : * ( وأُتْبِعُوا فِي هذِه لَعْنَةً ويَوْمَ الْقِيامَةِ ) * . . . أي : إن اللعنة والفضيحة لحقت بهم واتبعتهم في الدنيا وفي الأخرى ، كما قال - تعالى - في آية أخرى : وأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِه الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة غافر الآية 45 . ( 2 ) سورة القصص الآية 42 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 268 | سيد محمد طنطاوي