تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
وجملة « إن كنتم مؤمنين » معترضة لبيان أن هذه الخيرية لا تتم إلا مع الإيمان . أي : ما يبقيه اللَّه لكم من الحلال . . . هو خير لكم ، إن كنتم مصدقين بما أرسلت به إليكم ، أما إذا لم تكونوا كذلك فلن تكون بقية اللَّه خيرا لكم ، لأنها لا تكون إلا للمؤمنين ، فاستجيبوا لنصيحتى لتسعدوا في دنياكم وآخرتكم . وجملة « وما أنا عليكم بحفيظ » تحذير لهم من مخالفته بعد أن أدى ما عليه من بلاغ . أي : وما أنا عليكم بحفيظ أحفظ لكم أعمالكم وأحاسبكم عليها ، وأجازيكم بها الجزاء الذي تستحقونه . وإنما أنا ناصح ومبلغ ما أمرني ربي بتبليغه ، وهو وحده - سبحانه - الذي سيتولى مجازاتكم . وإلى هنا نجد شعيبا - عليه السلام - قد أرشد قومه إلى ما يصلحهم في عقائدهم ، وفي معاملاتهم ، وفي صلاتهم بعضهم ببعض ، وفي سلوكهم الشخصي ، بأسلوب حكيم جامع لكل ما يسعد ويهدى للتي هي أقوم . . فماذا كان رد قومه عليه ؟ لقد كان ردهم عليه - كما حكاه القرآن الكريم - طافحا بالاستهزاء به ، والسخرية منه ، فقد قالوا له : * ( يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ، أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا ، إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ) * . أي : قال قوم شعيب له - على سبيل التهكم والاستهزاء - : يا شعيب أصلاتك - التي تزعم أن ربك كلفك بها والتي أنت تكثر منها - تأمرك أن نترك عبادة الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا ؟ والاستفهام للإنكار والتعجب من شأنه . . . وأسندوا الأمر إلى الصلاة من بين سائر العبادات التي كان يفعلها ، لأنه - عليه السلام - كان كثير الصلاة ، وكانوا إذا رأوه يصلى سخروا منه . وجملة « أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء » إنكار منهم لترك ما تعودوه من نقص الكيل والميزان بعد إنكارهم لترك عبادة الأصنام . أي : أصلاتك تأمرك أن نترك عبادة الأصنام ، وتأمرك أن نترك ما تعودنا فعله في أموالنا من التطفيف في الكيل والميزان . . . إن كانت صلاتك تأمرك بذلك ، فهي في نظرنا صلاة باطلة ، لا وزن لها عندنا ، بل نحن نراها لونا من ألوان جنونك وهذيانك . . وجملة « إنك لأنت الحليم الرشيد » زيادة منهم في السخرية منه - عليه السلام - وفي
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 259 | سيد محمد طنطاوي