تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
وثانيهما : أن يكون الاستنقاص من جهة غيرهم إذا اشتروا منه ، بأن يأخذوا منه أكثر من حقهم . فكأنه - عليه السلام - يقول لهم : لا تنقصوا المكيال والميزان لا عند الأخذ ولا عند الإعطاء ، فلا تعطوا غيركم أقل من حقه إذا بعتم ، ولا تأخذوا منه أكثر من حقكم إذا اشتريتم . وإلى هذين الأمرين أشار قوله - تعالى - وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ، الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ، وإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ . . . ثم بين لهم الأسباب التي دعته إلى أمرهم ونهيهم فقال : * ( إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ) * . والخير : كلمة جامعة لكل ما يرضى الإنسان ويغنيه ويسره . ومحيط : أي شامل بحيث لا يستطيع أحد الإفلات منه . كما يحيط الظرف بالمظروف . . . أي : أخلصوا للَّه عبادتكم ، والتزموا العدل في معاملاتكم ، فإني أراكم تملكون الوفير من المال ، وتعيشون في رغد من العيش ، وفي بسطة من الرزق ، ومن كان كذلك فمن الواجب عليه أن يقابل هذه النعم بالشكر لواهبها وهو اللَّه - تعالى - وأن يستعملها استعمالا يرضيه ، وأن يعطى كل ذي حق حقه . وإني - أيضا - أخاف عليكم إذا ما تماديتم في مخالفة ما آمركم به وما أنهاكم عنه ، عذاب يوم أهواله وآلامه شاملة لكل ظالم ، بحيث لا يستطيع أن يهرب منها . . . قال الشوكاني : وصف - سبحانه - اليوم بالإحاطة ، والمراد العذاب لأن العذاب واقع في اليوم ، ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم ، أنهم لا يشذ منهم أحد عنه ، ولا يجدون منه ملجأ ولا مهربا » « 1 » . فأنت ترى أن شعيبا - عليه السلام - بعد أن أمرهم بما يصلح عقيدتهم ونهاهم عما يفسد معاملاتهم وأخلاقهم . . . ذكرهم بما هم فيه من نعمة وغنى قطعا لعذرهم حتى لا يقولوا له نحن في حاجة إلى تطفيف المكيال والميزان لفقرنا ، ثم أخبرهم بأنه ما حمله على هذا النصح لهم إلا خوفه عليهم . ثم واصل شعيب - عليه السلام - نصحه لقومه ، فأمرهم بالوفاء بعد أن نهاهم عن
هامش
( 1 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 2 ص 518 .