تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
النقص على سبيل التأكيد ، وزيادة الترغيب في دعوته فقال : * ( ويا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ والْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ) * . . . أي : ويا قوم أوفوا عند معاملاتكم أدوات كيلكم وأدوات وزنكم ، ملتزمين في كل أحوالكم العدل والقسط . * ( ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ . . . ) * أي : ولا تنقصوهم شيئا من حقوقهم . يقال : بخس فلان فلانا حقه إذا ظلمه وانتقصه . وهو يشمل النقص والعيب في كل شيء . . والجملة الكريمة تعميم بعد تخصيص ، لكي تشمل غير المكيل والموزون كالمزروع والمعدود ، والجيد والرديء . . . قال الجمل ما ملخصه : وقد كرر - سبحانه - نهيهم عن النقص والبخس وأمرهم بالوفاء . . . لأن القوم لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح ، وهو تطفيف الكيل والميزان ومنع الناس حقوقهم ، احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد ، ولا شك أن التكرير يفيد شدة الاهتمام والعناية بالمأمور به والمنهي عنه ، فلهذا كرر ذلك ليقوى الزجر والمنع من ذلك الفعل . . . » « 1 » . وقوله : * ( ولا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) * تحذير لهم من البطر والغرور واستعمال نعم اللَّه في غير ما خلقت له . قال ابن جرير : « وأصل العثى شدة الإفساد ، بل هو أشد الإفساد . يقال عثى فلان في الأرض يعنى - كرضى يرضى - إذا تجاوز الحد في الإفساد . . . » « 2 » . أي : ولا تسعوا في أرض اللَّه بالفساد ، وتقابلوا نعمه بالمعاصي ، فتسلب عنكم ثم أرشدهم إلى أن ما عند اللَّه خير وأبقى مما يجمعونه عن الطريق الحرام فقال : * ( بَقِيَّتُ اللَّه خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) * . ولفظ * ( بَقِيَّتُ ) * اسم مصدر من الفعل : بقي ، ضد : فنى . وإضافتها إلى اللَّه - تعالى - إضافة تشريف وتيمن . أي : ما يبقيه اللَّه لكم من رزق حلال ، ومن حال صالح ، ومن ذكر حسن ، ومن أمن وبركة في حياتكم . . . بسبب التزامكم بالقسط في معاملاتكم ، هو خير لكم من المال الكثير الذي تجمعونه عن طريق بخس الناس أشياءهم .
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 416 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 1 ص 308 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 258 | سيد محمد طنطاوي