تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
ونحن * ( نُوحِيها إِلَيْكَ ) * ونعرفك بها عن طريق وحينا الصادق الأمين . وهذه القصة وأمثالها * ( ما كُنْتَ تَعْلَمُها ) * أنت يا محمد ، وما كان يعلمها * ( قَوْمُكَ ) * أيضا ، بهذه الصورة الصادقة الحكيمة ، الخالية من الأساطير والأكاذيب . * ( مِنْ قَبْلِ ) * هذا الوقت الذي أوحيناها إليك فيه . وما دام الأمر كذلك * ( فَاصْبِرْ ) * صبرا جميلا على تبليغ رسالتك ، وعلى أذى قومك كما صبر أخوك نوح من قبل . وجملة * ( إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) * تعليل للأمر بالصبر . والعاقبة : الحالة التي تعقب حالة قبلها ، وقد شاعت عند الإطلاق في حالة الخير كما في قوله - تعالى - والْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى . وأل فيها للجنس ، واللام في قوله * ( لِلْمُتَّقِينَ ) * للاختصاص . أي : إن العاقبة الحسنة الطيبة في الدنيا والآخرة ، للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضى اللَّه - تعالى - ، وليست لغيرهم ممن استحبوا العمى على الهدى . والآية الكريمة تعقيب حكيم على قصة نوح - عليه السلام - قصد به الامتنان على النبي صلى اللَّه عليه وسلم والموعظة ، والتسلية . فالامتنان نراه في قوله - تعالى - * ( ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ ولا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ) * . والموعظة نراها في قوله - سبحانه - * ( فَاصْبِرْ ) * . والتسلية نراها في قوله - عز وجل - * ( إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) * . وبعد ، فهذه قصة نوح - عليه السلام - كما وردت في هذه السورة الكريمة ، ومن العبر والعظات والهدايات والحقائق التي نأخذها منها ما يأتي : 1 - الدلالة على صدق النبي صلى اللَّه عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عند اللَّه - تعالى - ، فقد أخبرنا عن قصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، وعن غيرها من القصص ، التي هي من أنباء الغيب ، والتي لا يعلم حقيقتها وتفاصيلها أحد سوى اللَّه - عز وجل - . 2 - أن نوحا - عليه السلام - قد سلك في دعوته إلى اللَّه - تعالى - أحسن الأساليب وأحكمها ، فقد دعا قومه إلى عبادة اللَّه - تعالى - وحده في الليل وفي النهار . وفي السر وفي العلانية ، وأقام لهم ألوانا من الأدلة على صدقه ، ورغبهم في الإيمان بشتى ألوان الترغيب ، وحذرهم من الكفر بشتى أنواع التحذير ، وصبر على أذاهم صبرا جميلا ، ورد على سفاهاتهم
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 217 | سيد محمد طنطاوي