تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
هذا * ( لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) * لأن مدار الأهلية مبنى على القرابة الدينية ، وقد انقطعت بالكفر ، فلا علاقة بين مسلم وكافر . أوليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم ، بل هو ممن سبق عليه القول بسبب كفره . فالمراد نفى أن يكون من أهل دينه واعتقاده ، وليس المراد نفى أن يكون من صلبه ، لأن ظاهر الآية يدل على أنه ابنه من صلبه ، ومن قال بغير ذلك فقوله ساقط ولا يلتفت إليه ، لخلوه عن الدليل . قال ابن كثير : وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلا أنه ليس بابنه ، وإنما كان ابن زنية . وقال ابن عباس وغير واحد من السلف : ما زنت امرأة نبي قط ، ثم قال : وقوله : * ( إِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) * أي : الذين وعدتك بنجاتهم . وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه فإن اللَّه - تعالى - أغير من أن يمكن امرأة نبي من الفاحشة « 1 » . وجملة * ( إِنَّه عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) * تعليل لنفى الأهلية . وقد قرأ الجمهور ( عمل ) بفتح الميم وتنوين اللام - على أنه مصدر مبالغة في ذمه حتى لكأنه هو نفس العمل غير الصالح وأصل الكلام إنه ذو عمل غير صالح ، فحذف المضاف للمبالغة بجعله عين عمله الفاسد لمداومته عليه . وقرأ الكسائي ويعقوب * ( عَمَلٌ ) * بوزن فرح بصيغة الفعل الماضي - أي : إنه عمل عملا غير صالح وهو الكفر والعصيان ، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه . قال صاحب الكشاف وقوله : * ( إِنَّه عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) * تعليل لانتفاء كونه من أهله . وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب ، وأن نسيبك في دينك ومعتقدك من الأباعد في المنصب وإن كان حبشيا وكنت قرشيا لصيقك وخصيصك ، ومن لم يكن على دينك وإن كان أمس أقاربك رحما فهو أبعد بعيد منك « 2 » . وقال الفخر الرازي : هذه الآية تدل على أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة النسب ، فإن في هذه الصورة كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه ، ولكن لما انتفت قرابة الدين ، لا جرم نفاه اللَّه - تعالى - بأبلغ الألفاظ وهو : قوله : * ( إِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) * « 3 » .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 259 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 273 . ( 3 ) تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 3 .