تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
وأقوالهم بمنطق سليم ، أبطل به حججهم . . مما جعلهم يكفون عن مناقشته ، ويلجئون إلى التحدي والتعنت . وما أحوج الدعاة إلى اللَّه - عز وجل - إلى التماس العبرة والعظة من قصة نوح مع قومه . 3 - أن النسب مهما شرف وعظم لن ينفع صاحبه عند اللَّه ، إلا إذا كان معه الإيمان والعمل الصالح ، وأن الإيمان والصلاح ليسا مرتبطين بالوراثة والأنساب لأنه لو كان الأمر كذلك لكانت ذرية نوح ومن معه من المؤمنين الذين نجوا معه في السفينة . كلها من المؤمنين الصالحين ، مع أن المشاهد غير ذلك . ورحم اللَّه الإمام القرطبي فقد قال - ما ملخصه - عند تفسيره لقوله - تعالى - * ( قالَ يا نُوحُ إِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ . . ) * : « وفي هذه الآية تسلية للآباء في فساد أبنائهم وإن كان الآباء صالحين » ، فقد روى أن ابنا لمالك بن أنس ارتكب أمرا لا يليق بمسلم ، فعلم بذلك مالك فقال : « الأدب أدب اللَّه ، لا أدب الآباء والأمهات ، والخير خير اللَّه ، لا خير الآباء والأمهات . . » « 1 » . 4 - أن سؤال نوح - عليه السلام - ما سأله لابنه لم يكن - كما قال صاحب المنار معصية للَّه - تعالى - خالف فيها أمره أو نهيه ، وإنما كان خطأ في اجتهاد رأى بنية صالحة . وإنما عدها اللَّه - تعالى - ذنبا له لأنها كانت دون مقام العلم الصحيح اللائق بمنزلته من ربه ، هبطت بضعفه البشرى ، وما غرس في الفطرة من الرحمة والرأفة بالأولاد إلى اتباع الظن ، ومثل هذا الاجتهاد لم يعصم منه الأنبياء ، فيقعون فيه أحيانا ليشعروا بحاجتهم إلى تأديب ربهم وتكميله إياهم آنا بعد آن ، بما يصعدون به في معارج العرفان » « 2 » . 5 - إن القرآن في إيراده للقصص والأخبار ، لا يهتم إلا بإبراز النافع المفيد منها ، أما ما عدا ذلك مما لا فائدة من ذكره ، فيهمل القرآن الحديث عنه . فمثلا في قصة نوح - عليه السلام - هنا ، لم يتعرض القرآن لبيان المدة التي قضاها نوح في صنع السفينة . ولا لبيان طول السفينة وعرضها وارتفاعها ، ولا لتفاصيل الأنواع التي حملها معه في السفينة ، ولا لبيان الفترة التي عاشها نوح ومن معه فيها . ولا لبيان المكان الذي هبط فيه نوح بعد أن استوت السفينة على الجودي . . ولا لبيان
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 9 ص 47 . ( 2 ) تفسير المنار ج 12 ص 86 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 218 | سيد محمد طنطاوي