تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
الزمان الذي استغرقه الطوفان فوق الأرض . وما ورد في ذلك من أقوال وأخبار ، أكثرها من الإسرائيليات التي لا يؤيدها دليل من الشرع أو العقل . ومن المسائل التي تكلم عنها كثير من العلماء ، وذهبوا بشأنها مذاهب شتى مسألة الطوفان . وقد أصدر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده - رحمه اللَّه - فتوى في هذا الشأن ، ملخصها كما يقول صاحب المنار : أن ظواهر القرآن والأحاديث أن الطوفان كان عاما شاملا لقوم نوح الذين لم يكن في الأرض غيرهم فيجب اعتقاده ، ولكنه لا يقتضى أن يكون عاما للأرض ، إذ لا دليل على أنهم كانوا يملؤون الأرض . وهذه المسائل التاريخية ليست من مقاصد القرآن ، ولذلك لم يبينها بنص قطعي ، فنحن نقول بما تقدم إنه ظاهر النصوص ، ولا نتخذه عقيدة دينية قطعية ، فإن أثبت العلم خلافه لا يضرنا ، لأنه لا ينقض نصا قطعيا عندنا ) « 1 » . 6 - أن سنة اللَّه - تعالى - في خلقه لا تتخلف ولا تتبدل وهي أن العاقبة للمتقين ، مهما طال الصراع بين الحق والباطل ، وبين الأخيار والأشرار . فلقد لبث نوح - عليه السلام - في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة اللَّه وحده ، وقد لقى خلال تلك المدة الطويلة ما لقى من الأذى . . . ولكن كانت النتيجة في النهاية نجاته ومن معه من المؤمنين ، وإغراق أعدائه بالطوفان العظيم . ولقد أفاض صاحب الظلال - رحمه اللَّه - وهو يتحدث عن هذا المعنى فقال ما ملخصه : « ثم نقف الوقفة الأخيرة مع قصة نوح ، لنرى قيمة الحفنة المسلمة في ميزان اللَّه - سبحانه - . إن حفنة من المسلمين من أتباع نوح - عليه السلام - تذكر بعض الروايات ، أنهم اثنا عشر ، هم كانوا حصيلة دعوة نوح في ألف سنة إلا خمسين عاما . إن هذه الحفنة - وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل - ، قد استحقت أن يغير اللَّه لها المألوف من ظواهر هذا الكون ، وأن يجرى لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيء . . . وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك ، وبذرة العمران فيها . وهذه هي عبرة الحادث الكوني العظيم . إنه لا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام ، أن يظن أن اللَّه تاركه للجاهلية وهو يدعو إلى
هامش
( 1 ) تفسير المنار ج 12 ص 108 .