إلا لأجل الجهل بحقيقة الأمر ، والاغترار بظاهر الحال ، كما هو عادة الأطفال « 1 » .
ثم أضاف نوح - عليه السلام - إلى تهديدهم تهديدا آخر فقال : * ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيه عَذابٌ يُخْزِيه ويَحِلُّ عَلَيْه عَذابٌ مُقِيمٌ ) * .
أي : فسوف تعلمون عما قريب ، من منا الذي سينزل عليه العذاب المخزى المهين في الدنيا ، ومن منا الذي سيحل عليه العذاب الدائم الخالد في الآخرة .
وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد قررت حكم اللَّه الفاصل في شأن قوم نوح - عليه السلام - بعد أن لبث فيهم زمنا طويلا يدعوهم إلى الحق ، ولكنهم صموا آذانهم عنه فماذا كان من أمره وأمرهم بعد ذلك .
كان من أمره وأمرهم بعد ذلك أن أمر اللَّه - تعالى - نوحا - عليه السلام - أن يحمل في السفينة بعد أن أتم صنعها من كل نوع من أنواع الحيوانات ذكرا وأنثى ، ثم نزل الطوفان ، وسارت السفينة بمن فيها ، وأغرق اللَّه - تعالى - الظالمين ، وقد حكى - سبحانه - كل ذلك فقال - تعالى .
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 40 إلى 44 ]
حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْه الْقَوْلُ ومَنْ آمَنَ وما آمَنَ مَعَه إِلَّا قَلِيلٌ ( 40 ) وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّه مَجْراها ومُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 41 ) وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَه وكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ( 42 ) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّه إِلَّا مَنْ رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 ) وقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أَقْلِعِي وغِيضَ الْماءُ وقُضِيَ الأَمْرُ واسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 44 )
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 124 .