وقوله - سبحانه - : * ( وأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّه لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ) * معطوف على قوله قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا . . .
أي : بعد أن لج قوم نوح في طغيانهم ، وصموا آذانهم عن سماع دعوته . . أوحى اللَّه - تعالى - إلى نوح بأن يكتفى بمن معه من المؤمنين ، فإنه لم يبق في قومه من يتوقع إيمانه بعد الآن ، وبعد أن مكث فيهم زمنا طويلا يدعوهم إلى الدخول في الدين الحق ، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارا . .
وقوله : * ( فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ) * تسلية له - عليه السلام - عما أصابه منهم من أذى .
والابتئاس : الحزن . يقال : ابتأس فلان بالأمر ، إذا بلغه ما يكرهه ويغمه ، والمبتئس :
الكاره الحزين في استكانة .
أي : فلا تحزن بسبب إصرارهم على كفرهم ، وتماديهم في سفاهاتهم وطغيانهم ، فقد آن الأوان للانتقام منهم .
قال الإمام ابن كثير : يخبر اللَّه - تعالى - في هذه الآية ، أنه أوحى إلى نوح لما استعجل قومه نقمة اللَّه بهم ، وعذابه لهم ، فدعا عليهم نوح دعوته وهي رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً فمنذ ذلك أوحى اللَّه - تعالى - إليه * ( أَنَّه لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ) * فلا تحزن عليهم ، ولا يهمنك أمرهم » « 1 » .
وقوله : * ( واصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ووَحْيِنا . . . ) * معطوف على قوله . . * ( فَلا تَبْتَئِسْ . . . ) * .
والفلك : ما عظم من السفن ، ويستعمل هذا اللفظ للواحد والجمع ، والمراد به هنا سفينة واحدة عظيمة قام بصنعها نوح - عليه السلام - .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 252 طبعة دار الشعب .