القرآن ، قل لهم : إن كنت قد افتريته - على سبيل الفرض - فعلى وحدي تقع عقوبة اجرامي وافترائى الكذب ، وأنا برئ من عقوبة إجرامكم وافترائكم الكذب .
أما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه أن الآية الكريمة ليست معترضة ، وإنما هي من قصة نوح عليه السلام - وعليه يكون المعنى : بل أيقول قوم نوح إن نوحا - عليه السلام - قد افترى واختلق ما جاء به من عند نفسه ثم نسبه إلى اللَّه - تعالى - قل لهم إن كنت قد افتريته فعلى سوء عاقبة اجرامي وكذبى ، وأنا برئ مما تقترفونه من منكرات ، وما تكتسبونه من ذنوب .
ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أرجح ، لأن التعبير عن أفكارهم بيقولون ، وعن الرد عليهم بقل ، الدالين على الحال والاستقبال ، يقوى أن الآية الكريمة في شأن مشركي مكة .
وقد اقتصر الإمام ابن جرير على الاتجاه الأول ، ولم يذكر شيئا عن الاتجاه الثاني مما يدل على ترجيحه للاتجاه الأول فقال ما ملخصه : يقول - تعالى - ذكره : أيقول يا محمد هؤلاء المشركون من قومك : افترى محمد هذا القرآن وهذا الخبر عن نوح ، قل لهم : إن افتريته فتخرصته واختلقته فعلى إثمي في افترائى ما افتريت على ربي دونكم . . وأنا برئ مما تذنبون وتأثمون في حقي وحق ربكم . . . » « 1 » .
وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من مجادلة قوم نوح له ، ومن تطاولهم عليه ، ومن تحديهم لدعوته ، كما حكت لنا رده عليهم بأسلوب حكيم ، جعلهم يعجزون عن مجابهته فماذا كان من شأنه وشأنهم بعد ذلك ؟
لقد تابعت السورة الكريمة حديثها عن هذه القصة ، فبينت بعد ذلك قضاء اللَّه العادل في هؤلاء الظالمين ، حيث حكت لنا ما أوحاه اللَّه إلى نوح - عليه السلام - في شأنهم ، وما أمره بصنعه . . . فقال - تعالى - :
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 36 إلى 39 ]
وأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّه لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) واصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 37 ) ويَصْنَعُ الْفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْه مَلأٌ مِنْ قَوْمِه سَخِرُوا مِنْه قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ( 38 ) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيه عَذابٌ يُخْزِيه ويَحِلُّ عَلَيْه عَذابٌ مُقِيمٌ ( 39 )
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 12 ص 20 .