تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
ومنها : أن المراد به أعالي الأرض والمواضع المرتفعة فيها . . وقيل : إن الكلام على سبيل المجاز ، والمراد بقوله - سبحانه - * ( فارَ التَّنُّورُ ) * التمثيل بحضور العذاب ، كقولهم ، حمى الوطيس ، إذا اشتد القتال « 1 » . وأرجح هذه الأقوال أولها ، لأن التنور في اللغة يطلق على الشيء الذي يخبز فيه ، وفورانه معناه : نبع الماء منه بشدة مع الارتفاع والغليان ، كما يفور الماء في القدر عند الغليان ، ولعل ذلك كان علامة لنوح - عليه السلام - على اقتراب وقت الطوفان . وقد رجح هذا القول المحققون من المفسرين ، فقد قال الإمام ابن جرير بعد أن ذكر جملة من الأقوال في معنى التنور : « وأولى الأقوال عندنا بتأويل قوله * ( التَّنُّورُ ) * قول من قال : هو التنور الذي يخبز فيه ، لأن هذا هو المعروف من كلام العرب ، وكلام اللَّه لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب ، إلا أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك ، فيسلم لها . وذلك لأنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به لإفهامهم معنى ما خاطبهم به . أي : قلنا لنوح حين جاء عذابنا قومه . . . وفار التنور الذي جعلنا فورانه بالماء آية مجيء عذابنا . . احمل فيها - أي السفينة من كل زوجين اثنين . . » « 2 » . وقال الإمام الرازي ما ملخصه : فإن قيل : فما الأصح من هذه الأقوال - في معنى التنور . . ؟ . قلنا : الأصل حمل الكلام على حقيقته ، ولفظ التنور حقيقة في الموضع الذي يخبز فيه ، فوجب حمل اللفظ عليه . . . ثم قال : والذي روى من أن فور التنور كان علامة لهلاك القوم لا يمتنع لأن هذه واقعة عظيمة ، وقد وعد اللَّه - تعالى - المؤمنين النجاة فلا بد أن يجعل لهم علامة بها يعرفون الوقت المعين « فلا يبعد جعل هذه الحالة علامة لحدوث هذه الواقعة » « 3 » . وجملة * ( قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأَهْلَكَ ) * جواب إذا ولفظ * ( زَوْجَيْنِ ) * تثنية زوج ، والمراد به هنا الذكر والأنثى من كل نوع . قراءة الجمهور : * ( مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) * بدون تنوين للفظ كل ، وإضافته إلى زوجين .
هامش
( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 9 ص 23 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 12 ص 25 . ( 3 ) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 226 .