نصحى الدائم لن يفيدكم شيئا ، ما دامت قلوبكم في عمى عنه ، وأسماعكم في صمم منه ، ونفوسكم على غير استعداد له .
وجواب الشرط في قوله * ( إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ ) * محذوف لدلالة ما قبله عليه .
وقوله * ( إِنْ كانَ اللَّه يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وإِلَيْه تُرْجَعُونَ ) * : زيادة تأكيد منه - عليه السلام - لعموم قدرة اللَّه وإرادته .
أي : إن كان اللَّه - تعالى - يريد أن يضلكم عن طريق الحق ، ويصرفكم عن الدخول فيه ، بسبب إصراركم على الجحود والعناد ، فعل ذلك ، لأنه هو ربكم ومالك أمركم ، وإليه وحده ترجعون يوم القيامة ، ليجازيكم الجزاء الذي تستحقونه .
وهكذا نجد نوحا - عليه السلام - قد سلك في دعوته إلى اللَّه ، أحكم السبل ، واستعمل أبلغ الأساليب ، وصبر على سفاهة قومه صبرا جميلا .
وعند هذا الحد من قصة نوح مع قومه ، تنتقل السورة الكريمة انتقالا سريعا بقارئها إلى الحديث عن مشركي مكة ، الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند اللَّه ، ووقفوا من نبيهم صلى اللَّه عليه وسلم موقفا يشبه موقف قوم نوح منه - عليه السلام - فترد عليهم بقوله - تعالى - :
[ سورة هود ( 11 ) : آية 35 ]
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراه قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُه فَعَلَيَّ إِجْرامِي وأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ( 35 )
وأم هنا منقطعة بمعنى بل التي للإضراب ، وهو انتقال المتكلم من غرض إلى آخر .
والافتراء : الكذب المتعمد الذي لا توجد أدنى شبهة لقائله .
والإجرام : اكتساب الجرم وهو الشيء القبيح الذي يستحق فاعله العقاب .
يقال : أجرم فلان وجرم واجترم ، بمعنى اقترف الذنب الموجب للعقوبة وللمفسرين في معنى هذه الآية اتجاهان :
الاتجاه الأول يرى أصحابه : أنها معترضة بين أجزاء قصة نوح مع قومه ، وأنها في شأن مشركي مكة الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند اللَّه .
وعليه يكون المعنى . لقد سقنا لك يا محمد من أخبار السابقين ما هو الحق الذي لا يحوم حوله باطل ، ولكن المشركين من قومك لم يعتبروا بذلك ، بل يقولون إنك قد افتريت هذا
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 199
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٩٩