ثم تسوق السورة بعد ذلك قصة هود - عليه السلام - مع قومه ، فتحكى دعوته لهم إلى عبادة اللَّه - تعالى - ، ومصارحته إياهم بأنه لا يريد منهم أجرا على دعوته وإرشادهم إلى ما يزيدهم غنى على غناهم وقوة على قوتهم ، ولكنهم قابلوا تلك النصائح الغالية بالتكذيب والسفاهة ، فقالوا له - كما حكت السورة عنهم - يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ ، وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ ، وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ . إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ . . .
فيرد عليهم هود بقوله : إِنِّي أُشْهِدُ اللَّه ، واشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . مِنْ دُونِه فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ . إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّه رَبِّي ورَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها . . .
ثم كانت النتيجة بعد هذه المحاورات والمجادلات أن نجى اللَّه هودا ، والذين آمنوا معه ، أما الكافرون بدعوته ، فقد نزل بهم العذاب الغليظ ، الذي تركهم صرعى ، كأنهم أعجاز نخل خاوية . . .
وفي الربع « 1 » الرابع منها تسوق لنا السورة الكريمة ، ما دار بين صالح وقومه ، حيث أمرهم بعبادة اللَّه ، وذكرهم بنعمه عليهم ، وحذرهم من الاعتداء على الناقة التي هي لهم آية . . ولكنهم استخفوا بتذكيره وبتحذيره فكانت النتيجة إهلاكهم . . .
قال - تعالى - فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً والَّذِينَ آمَنُوا مَعَه بِرَحْمَةٍ مِنَّا ، ومِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ . وأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ . كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ، أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ .
ثم قصت علينا السورة الكريمة ، ما فعله إبراهيم - عليه السلام - عندما جاءه رسل اللَّه بالبشرى ، وكيف أنهم قالوا له عندما أنكرهم وأوجس منهم خيفة : لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ . . .
ثم وضحت حال لوط - عليه السلام - عندما جاءه هؤلاء الرسل وحكت ما دار بينه وبين قومه الذين جاؤه يهرعون إليه عندما رأوا الرسل ، فقال لهم : يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ، فَاتَّقُوا اللَّه ولا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ، أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ . . .
فيقولون له في صفاقة وانحراف عن الفطرة السليمة : لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ ، وإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ .
وأسقط في يد لوط - عليه السلام - ، وأحس بضعفه أمام هؤلاء المنحرفين المندفعين إلى
هامش
( 1 ) الآيات من 62 - 83 .