تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
قصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، فتحكى أمره لهم بعبادة اللَّه وحده ، كما تحكى الرد القبيح الذي رد به عليه زعماؤهم ، وكيف أنه - عليه السلام - لم يقابل سفاهتهم بمثلها ، بل خاطبهم بلفظ « يا قوم » الدال على أنه واحد منهم ، يسره ما يسرهم ، ويؤلمه ما يؤلمهم ، ومع هذا فقد لجوا في طغيانهم وقالوا له - كما حكى القرآن عنهم - يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا ، فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . . . فكان رده عليهم إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِه اللَّه إِنْ شاءَ وما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ . . . وقد أتاهم اللَّه - تعالى - بالعذاب الذي استعجلوه فأغرقهم بالطوفان الذي غشيهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، والذي قطع دابرهم . ثم نراها بعد ذلك في الربع « 1 » الثالث ، تقص علينا مشهدا مؤثرا ، مشهد نوح - عليه السلام - وهو ينادى ابنه الذي استحب الكفر على الإيمان فيقول له بشفقة وحرص : يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ . ولكن الابن العاق لا يستمع إلى نصيحة أبيه العطوف بل يقول له : سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ . ويجيبه الأب بحزن وحسم لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّه إِلَّا مَنْ رَحِمَ ، وحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ . ويتضرع الأب الحزين إلى ربه فيقول : رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ . ويأتيه الجواب من اللَّه - تعالى - : يا نُوحُ إِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّه عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ ، إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ . ويلجأ نوح - عليه السلام - إلى خالقه ، مستعيذا به من غضبه فيقول : رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِه عِلْمٌ ، وإِلَّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ . فيقبل اللَّه - تعالى - ضراعته فيقول : يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ ، وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ، وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ . ثم يختم اللَّه - تعالى - قصة نوح ، بتسلية النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - ، وبما يدل على أن هذا القرآن من عند اللَّه ، فيقول : تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ ولا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ ، إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ .
هامش
( 1 ) الآيات من 41 - 60 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 150 | سيد محمد طنطاوي