تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
وروى عن الكلبي والضحاك ومقاتل أنها نزلت في المطعمين يوم بدر ، وكانوا اثنى عشر رجلا من قريش . . كان كل واحد منهم يطعم الناس كل يوم عشر جزر « 1 » . قال ابن كثير : وعلى كل تقدير فهي عامة وإن كان سبب نزولها خاصا . أي : أن الآية الكريمة تتناول بوعيدها كل من يبذل أمواله في الصد عن سبيل اللَّه ، وفي تأييد الباطل ومعارضة الحق . المعنى : إن الذين كفروا بالحق لما جاءهم * ( يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ ) * لا في وجوه الخير ، وإنما ينفقونها * ( لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّه ) * أي : ينفقونها ليمنعوا الناس عن الدخول في الدين الذي يوصلهم إلى رضا اللَّه وإلى طريقه القويم . واللام في قوله : * ( لِيَصُدُّوا ) * لام الصيرورة ، ويصح أن تكون للتعليل لأن غرضهم منع الناس عن الدخول في دين اللَّه الذي جاء به النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، والذي يرونه دينا مخالفا لما كان عليه الآباء والأجداد فيجب محاربته في زعمهم . وقوله : * ( فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ . . . ) * بيان لما سيؤول إليه أمرهم في الدنيا من الخيبة والهزيمة والندامة . أي : فسينفقون هذه الأموال في الشرور والعدوان ، ثم تكون عاقبة ذلك حسرة وندامة عليهم ، لأنهم لم يصلوا - ولن يصلوا - من وراء إنفاقها إلى ما يبغون ويؤملون . وفضلا عن كل هذا فستكون نهايتهم الهزيمة والإذلال في الدنيا ، لأن سنة اللَّه قد اقتضت أن يجعل النصر في النهاية لأتباع الحق لا لأتباع الباطل . وقوله : * ( فَسَيُنْفِقُونَها ) * خبر إن في قوله * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا . . ) * واقترن الخبر بالفاء لتضمن المبتدأ الموصول مع صلته معنى الشرط ، فصار الخبر بمنزلة الجزاء بحسب المعنى . وفي تكرير الإنفاق في شبه الشرط والجزاء ، إشعار بكمال سوء إنفاقهم ، حيث إنهم لم ينفقوا أموالهم في خير أو ما يشبه الخير ، وإنما أنفقوها في الشرور المحضة . وجاء العطف بحرف * ( ثُمَّ ) * للدلالة على البون الشاسع بين ما قصدوه من نفقتهم وبين ما آل ويئول إليه أمرهم . فهم قد قصدوا بنفقتهم الوقوف في وجه الحق والانتصار على المؤمنين . . ولكن هذا القصد ذهب أدراج الرياح ، فقد ذهبت أموالهم سدى ، وغلبوا المرة بعد المرة ، وعاد المؤمنون إلى مكة فاتحين ظافرين بعد أن خرجوا منها مهاجرين . وقوله : * ( والَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) * بيان لسوء مصيرهم في الآخرة ، بعد بيان حسرتهم وهزيمتهم في الدنيا .
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 9 ص 245 .