تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
وقوله * ( وإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ ) * بشارة منه - سبحانه - للمؤمنين بالنصر والتأييد . أي : وإن أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا عن الكفر والطغيان * ( فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مَوْلاكُمْ ) * أي : ناصركم ومعينكم عليهم ، فثقوا بولايته ونصرته ، فهو - سبحانه - * ( نِعْمَ الْمَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ ) * لأنه لا يضيع من تولاه ، ولا يهزم من نصره . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد فتحت الباب للكافرين حتى يفيئوا إلى رشدهم ، وينتهوا عن كفرهم ، وبشرتهم بأنهم إذا فعلوا ذلك غفر اللَّه لهم ما سلف من ذنوبهم . . أما إذا استمروا في كفرهم ومعاداتهم للحق ، فقد أمر اللَّه عباده المؤمنين بقتالهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للَّه . . أي أن القتال في الإسلام شرعه اللَّه - تعالى - من أجل إعلاء كلمته ومن أجل رفع الأذى والفتنة والعدوان عمن يعتنقون دينه وشريعته . هذا ، وقد ساق ابن كثير عند تفسيره الآيات جملة من الأحاديث التي تشهد بأن القتال في الإسلام إنما شرعه اللَّه - تعالى - لإعلاء كلمته ، وليس لأجل الغنيمة أو السيطرة على الغير . . وأنه لا يجوز لمسلم أن يقتل إنسانا بعد نطقه بالشهادتين . فقال - رحمه اللَّه - : وقوله - تعالى - * ( وقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ . . ) * . روى البخاري عن ابن عمر أن رجلا جاءه - في فتنة ابن الزبير - فقال له يا أبا عبد الرحمن ، ألا تصنع ما ذكره اللَّه في كتابه وإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا . . . الآية « 1 » . فما يمنعك من القتال ؟ فقال يا ابن أخي لأن أعير بهذه الآية ولا أقاتل ، أحب إلى من أن أعير بالآية التي تقول : ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُه جَهَنَّمُ خالِداً فِيها . . الآية « 2 » . فقال الرجل : فإن اللَّه يقول : * ( وقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) * فقال ابن عمر : « قد فعلنا على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إذ كان الإسلام قليلا ، فكان الرجل يفتن في دينه : إما أن يقتلوه ، وإما أن يوثقوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة . . وعن سعيد بن جبير قال : خرج إلينا ابن عمر فقال له قائل : كيف ترى في قتال الفتنة ؟ فقال له ابن عمر وهل تدرى ما الفتنة ؟ كان محمد صلى اللَّه عليه وسلم يقاتل المشركين ، وكان الدخول عليهم فتنة ، وليس بقتالكم على الملك . وفي رواية أنه قال : قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله للَّه وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ، ويكون الدين لغير اللَّه .
هامش
( 1 ) سورة الحجرات : الآية 9 . ( 2 ) سورة النساء : الآية 93 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 98 | سيد محمد طنطاوي