وبعد : فنحن - أخي القارئ - لو استعرضنا سورة الأنفال من مطلعها إلى هنا ، لرأيناها تحدثنا - على سبيل الإجمال - عن :
( أ ) أحكام الأنفال ، وأن مرد الحكم فيها إلى اللَّه ورسوله . .
( ب ) وعن الصفات الكريمة التي يجب أن يتحلى بها المؤمنون لينالوا مغفرة اللَّه ورضوانه .
( ج ) وعن أحوال بعض المؤمنين الذين اشتركوا في غزوة بدر ، وكانوا يفضلون العير على النفير . ولكن - اللَّه تعالى - بين لهم أن الخير فيما قدره لا فيما يفضلون .
( د ) وعن النعم والبشارات وأسباب النصر التي أمد اللَّه بها المؤمنين في بدر والتي كان من آثارها ارتفاع شأنهم ، واندحار شأن أعدائهم .
( ه ) وعن التوجيهات الحكيمة التي أعقبت تلك النداءات الخمسة التي نادى اللَّه بها المؤمنين ، فقد أمرهم - سبحانه - بالثبات في وجه أعدائهم ، وبالطاعة التامة له ولرسوله - صلى اللَّه عليه وسلم - وبالاستجابة السريعة للحق الذي جاءهم به الرسول - صلى اللَّه عليه وسلم - . . ونهتهم عن التولي يوم الزحف وعن التشبه بمن قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ، وعن إقرار المنكرات والبدع والرضا بها ، وعن خيانة اللَّه والرسول ، وعن خيانة الأمانات التي تجب صيانتها والمحافظة عليها .
ووعدهم - سبحانه - بهداية القلوب ، وتكفير الخطايا والذنوب ، متى اتقوه ووقفوا عند حدوده .
( و ) والآن ، وبعد هذا التوجيه الحكيم ، والتأديب القويم ، والتعليم النافع والتذكير بالنعم ، والتحذير من النقم . . ما ذا نرى ؟
نرى السورة الكريمة تأخذ في تذكير المؤمنين بجوانب من جرائم أعدائهم فتقص عليهم ما كان من هؤلاء الأعداء من تآمر على حياة رسولهم صلى اللَّه عليه وسلم ومن تهكم بالقرآن الكريم وادعاء أنهم في استطاعتهم أن يأتوا بمثله لو شاؤوا ، ومن استهزاء بتعاليم الإسلام ، وسخرية بشعائره وعباداته ، ومن إنفاق لأموالهم ليصدوا الناس عن الطريق للحق ، ومن إصرار على العناد والجحود جعلهم يستعجلون العذاب .
ومع كل هذا فالسورة الكريمة تفتح الباب في وجوه هؤلاء الجاحدين المعاندين ، وتأمر المؤمنين أن ينصحوهم بالدخول في دين اللَّه . . فإذا لم يستجيبوا لنصحهم فعليهم أن يقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للَّه .
استمع - أخي القارئ - بتدبر إلى الآيات التي تحكى كل ذلك بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول :
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 84
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٨٤