ومن هذا نرى أن تلك الآيات الكريمة قد ذكّرت المؤمنين الذين اشتركوا في غزوة بدر بألوان من نعم اللَّه عليهم ، وبأنواع من البشارات التي كانت تدل على أن النصر سيكون لهم .
1 - ذكّرتهم بوعد اللَّه لهم بأن إحدى الطائفتين : العير أو النفير ستكون لهم ، وقد وفّى لهم - سبحانه - بوعده ، حيث جعل النصر لهم ، ومن أوفى بعهده من اللَّه ؟ .
2 - وذكرتهم بإجابة اللَّه لدعائهم ، حيث أمدهم بألف من الملائكة مردفين .
3 - وذكرتهم بالنعاس الذي ألقاه - سبحانه - عليهم قبل المعركة ، ليكون أمانا لهم ، وراحة لأبدانهم .
4 - وذكرتهم بنزول المطر عليهم من السماء ليكون طهارة ظاهرية وباطنية لهم ، وليكون طمأنينة لقلوبهم ، وتثبيتا لأقدامهم .
5 - وذكرتهم بأمر اللَّه لملائكته أن يثبتوهم ، بأن يغرسوا في قلوبهم الثقة في نصر اللَّه لهم ، والاستهانة بقوة أعدائهم .
6 - وذكرتهم بما ألقاه - سبحانه - في قلوب الكافرين من رعب وفزع وجزع ، جعلهم ينهزمون أمامهم .
7 - وذكرتهم بأن ما أصاب أعداء اللَّه وأعداءهم من قتل وأسر وخسران كان سببه كفرهم وعنادهم وإيثارهم سبيل الغي على سبيل الرشد ، وأنهم - إذا استمروا في كفرهم - فسيلقون في الآخرة عذابا أشد وأبقى مما نزل بهم في الدنيا .
ولا شك أن هذا التذكير من مقاصده الأساسية حض المؤمنين على الاستجابة للَّه ولرسوله :
وعلى مداومة الشكر لخالقهم ، فهو - سبحانه - الذي منحهم هذه النعم الجزيلة التي تمكنوا معها من رقاب أعدائهم ، وهو الذي جعلهم يغنمون كل هذه الغنائم بعد أن خرجوا من ديارهم بلا مال ولا ظهر ولا عتاد .
هذا ، ومن الخير قبل أن ننتقل من هذه الآيات إلى غيرها ، أن نتكلم بشيء من التفصيل عن مسألة كثر الحديث عنها .
وهذه المسألة هي : ماذا كانت وظيفة الملائكة في بدر ؟ أكانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فحسب أم أنهم بجانب هذا التثبيت قاتلوا فعلا معهم ؟ إننا بمطالعتنا لما كتبه الكاتبون عن هذه المسألة نراهم في كتاباتهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :
( أ ) أما القسم الأول منهم ، فيرى أن الملائكة في غزوة بدر لم تكن وظيفتهم التثبيت فحسب ، وإنما هم قاتلوا مع المؤمنين فعلا ، ويستدلون على ذلك بأدلة من أهمها :
1 - ما جاء عن ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - أنه قال : بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه . إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وقائلا يقول : أقدم حيزوم ،
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 55
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٥٥